جاءنا البيان التالي: “أمريكا بتستهبل يا فوزية”
لا يبدو جاءنا البيان التالي اليوم مجرد فيلم كوميدي عن ارتباك الوسط الإعلامي، بل يكاد يبدو وثائقيًا متخفيًا في هيئة نكتة. فالفيلم، عبر سخريته من القنوات، والوجوه الإعلامية، وآليات صناعة الخبر، يكشف مبكرًا أن المشكلة لم تكن يومًا في نقص المعلومات، بل في طريقة طبخها، وتقديمها، وتجميلها قبل أن تصل إلى الناس.

وحين نعيد مشاهدته الآن، وسط هذا الخراب المفتوح، يبدو كأنه يقول لنا إن الإعلام لا يكتفي أحيانًا بنقل الكارثة، بل يشارك في ترتيبها لغويًا، وتخفيف رائحتها، وتوزيع أدوارها بحيث يخرج القاتل مرتبًا، والضحية مرتبكة، والحقيقة مُجدْولة إلى إشعار آخر.
هنا تحديدًا تستعيد الكوميديا معناها الحقيقي: ليست الضحكة على سذاجة الشخصيات، بل على المنظومة كلها. منظومة تتعامل مع الدم كما لو كان مادة قابلة للمونتاج، ومع الحرب كما لو كانت فقرة قابلة للتقديم والتأخير، ومع البشر كما لو كانوا تفاصيل زائدة في نشرة طويلة. وما كان في الفيلم تهكمًا على الأداء الإعلامي، صار في الواقع أسلوب حكم كامل: بيان أول، بيان توضيحي، مصدر مسؤول، نفي متداول، تبرير جاهز، ثم دعوة جماعية إلى الهدوء، وكأن المشكلة في انفعال الناس لا في الجريمة نفسها.
وإذا كان الفيلم قد سخر من الإعلام حين يتحول إلى استعراض مرتبك للسطح، فإن الواقع الحالي تجاوز ذلك إلى مرحلة أكثر فجاجة: لم يعد المطلوب فقط أن تصدق ما يقال لك، بل أن تتواطأ لغويًا مع ما تسمعه. أن تسمي القصف “ردًا”، والمجزرة “تعقيدًا”، والانحياز “توازنًا”، والخذلان الدولي “دعوات إلى ضبط النفس”. وكأن العالم كله صار غرفة أخبار كبرى، يجلس فيها أحدهم ليقرر أي موت يستحق العنوان، وأي مدينة تستحق التعاطف، وأي شعب يمكن اختصاره إلى شريط عاجل لا أكثر.
من هنا، لا يعود جاءنا البيان التالي فيلمًا عن الإعلام فقط، بل عن الوقاحة المؤسسية حين تتكلم بربطة عنق. عن تلك اللحظة التي يصبح فيها الكذب مهذبًا، والتضليل احترافيًا، والعبث منظمًا على ورق رسمي. ولهذا يبدو إسقاطه على الواقع سهلًا إلى درجة موجعة: فما نراه اليوم ليس مجرد فشل في نقل الحقيقة، بل مهارة عالية في دفنها تحت المصطلحات، ثم مطالبة الناس، بعد كل ذلك، بالتصرف بعقلانية.

باختصار، كان الفيلم يضحكنا لأننا كنا نظن أن هذه مبالغة.
أما اليوم، فهو يضحكنا بمرارة، لأننا اكتشفنا أن الواقع صار يكتب بياناته بالطريقة نفسها:
تقع الكارثة، ثم يأتي من يشرح لنا، بكل ثقة وهدوء، لماذا لا ينبغي أن نصدق ما رأيناه بأعيننا
