
الكاتبة/ أماني عباهرة
أمنية
وأنا أصعد درجات السلم الخشبي،
بالصدفة،
دخلتٌ عامي الأربعين.
إحدى قوائم السلم انزلقتْ
_ عند الدرجة قبل الأخيرة _
أصبحت أقصر من أخواتها
اهترأت.
بحركة لا إرادية،
تعلّقتُ بالرفّ الخشبيّ أمامي.
ارتجف السُلّم،
ارتجفتُ،
ثم عاد
إلى توازنه،
وعدتُ.
ارتفع الأدرينالين في دمي
تحسست الجرح الجديد
في جسدي.
واحدة،
اثنتان،
ثلاث،
ستُ غرزٍ جديدة.
“سيذوب الخيط،”
قالت الطبيبة.
ربما ذاب في هذه اللحظة
ولم يبقَ
إلا خط رفيع
لن يلحظه أحد.
صعدت الدرجة الأخيرة.
على الرف أمامي
ملابسي الصيفية:
خفيفة،
ألوانها زاهية،
لم أفتش في جيوبها
عن أشياء نسيتها منذ العام الفائت.
أعرف أين أضع الأشياء.
أدّسها في جيوب المعاطف،
في جيب قميصي الجينز،
في الجيب الداخلي لسترة الجري،
في الجيوب الجانبية لبنطال الكارغو،
في جيوب البيجامة الوردية التي أحبها،
في جيوب “روب الأغنياء”.
فساتيني،
لا جيوب فيها.
تعلمت حيلة جدتي:
كلما ارتديت فستانًا جديدًا
خبأت الأشياء في “عبّي”.
كل ما لا أستطيع التخلص منه،
الحب الأول،
الحضن الأول،
القبلة الأولى
مسافة الصمت قبل الغياب،
النهاية التي لم نصل إليها،
الخيبة التي لم أتوقعها،
بقايا الحب
الحلم الذي لا أذكر تفاصيله.
وكلما اختنقت
أعدت ترتيبه من جديد
خبأت المهام،
المواعيد المؤجلة،
تلك التي لم تُؤجل،
القدرة على البقاء،
الكثير الكثير من الصبر،
الابتسامات،
وكل أسباب الضحك،
وأمنية،
تصلح لكل يوم.
نزلت درجات السلم الخشبي،
عددت سنيني الأربعين:
العشرة الأولى:
طفولة تلعب في الشارع،
أولاد الحارة،
سيارة الجيران الكابرس،
وحلم ركوبها.
العشرة الثانية:
حركت العالم بأصابعي العشرة.
رسمت الحياة
كأنها خارطة في قصيدة لنزار،
فتحت الأبواب
بين دفات الكتب القليلة في بيتنا.
قرأتها في الطريق،
في المواصلات العامة،
من البيت إلى الجامعة،
من الجامعة،
إلى البيت.
العشرة الثالثة:
أخذت الحياة مني كل ما أحب
دفعةً واحدة
ورمتني في القاع.
ثم صعدتُ.
في الطريق،
وجدت بيتًا،
وأولادًا
تعلمت الطهي،
حصلت على أوسمة:
الشطارة،
المهارة،
والجدارة،
ثم عند عتبة الباب،
ألقيتها
وخرجتُ إلى الحياة
من جديد.
العشرة الرابعة:
المسافة
بين درجتي السلم الأولى والأخيرة
قصيرة.
الخطوة الأخيرة
قبل أن تطأ قدماي
الأرض تدور.
كلما أخذتني بعيدًا
عدت إلى النقطة نفسها:
كلما أسرَعَتْ
أسرَعتُ.
كلما أرادت أن توقعني
أخذت نفسًا
عميقًا،
وسقطت.
العشرة الأخيرة:
هي احتمالات النجاة،
الوقوف على على ناصية الحلم،
الحلم نفسُه،
المحاولات المتكررة،
اختبارات الحياة،
والصمت الطويل.
هي النهاية والبداية،
صوت الفراغ،
النداء المستحيل،
الصدى،
والغياب.
هي الكتابة على طرف الصفحة،
الشمعة التي اشتعلت
على قالب الحكاية،
لون “الروج” الأرجواني،
خصلة الشعر
المتموجة
على يمين الوجه،
أثار الروج
على فنجان القهوة الأبيض،
انعكاس وجهي
في عدسة الكاميرة.
..
أغمض عينيّ
وأنشد
أمنيتي الأخيرة.

2 Responses
رائع جدا ابدعتي
وضعتِ على وجهي إبتسامة طريفة لأنك وصفتي حالتي عندما صحيت فجأة على وقع الأربعة و أربعين سنة ، وأيضاً في الزاوية الأخرى من شفتي أثرتِ ابتسامة تهكم بما أنني أشارف على الستين من عمري ، و سؤال كيف سأقطع هذه الدرجة الأخيرة بالنسبة لحساب عمري ؟
أستمتع جداً بكلماتك و احساسك
منى