مذكرات سيلفستر ستالون “وجه نصفه في الظل”

🕓 وقت القراءة: 7 دقيقة

مشاركة المقالة:

ترجمة/ رولا عادل

الفصل الثاني من كتاب “درجات السُلّم”

مذكرات سيلفستر ستالون

خارطة بناء أسطورة من العدم

حصريا لمنصة حرملك

طفولة سيلفستر ستالون

الأطفال قساةٌ، قساة بوصف خاص وطريقتهم التي يتمايزون بها عن قسوة الكِبار، قسوةٍ عفوية غير متعمَّدة، ولم تكن ساحات المدارس في خمسينيات القرن الماضي استثناءً من هذه النظرية. أما عن سيلفستر الصغير، الذي كان كلامه يخرج متلعثمًا مطموسًا لأن جزءًا من لسانه وشفته السفلى لا يطيعانه طاعةً كاملة، ولأن في وجهه اعوجاجًا دائمًا يمنحه هيئةً تتأرجح بين التهكّم والعبوس، كانت السخرية رفيقًا شبه يومي لا يكاد يفارقه. كان بعض المعلمين يظنّونه بطيء الفهم، وكان زملاؤه يتندّرون بتثاقل كلماته وهي تُجَرّ جرًّا من فمه لتخرج للناس. كان سيلفستر الصغير، بأبسط العبارات، موسومًا بالاختلاف في بيئةٍ لا صبر لها على المختلفين.

أصاب الشللُ الجانب الأيسر من وجهه، وشفته، وجزءًا من لسانه، وكان ذلك نتيجةً مباشرة لإصابة سببها الملقط الطبي عند الولادة.

منحته تلك المحنة تعبيرًا مميّزًا، متجهّمًا كأنه يفكّر في شيء ثقيل معقّد، يبدو مرهِبًا حينًا ومضحكًا حينًا آخر، بحسب الضوء ومزاج الموجودين فيها أو مزاجه هو شخصيًا. وهو ما أنتج أيضًا تلك النبرة الثقيلة المتباطئة في الكلام، التي ستغدو، رغم كل التوقعات، واحدةً من أشهر النبرات والأصوات في العالم. لكنّ الاعتراف والإعجاب كانا بعيدين بُعدَ عقود. أما في ساحة المدرسة، فكل ما كان يهمّ أنه يبدو مختلفًا ويبدو صوته مختلفًا، وكان ذلك كافيًا ليجعله هدفًا للتنمّر والسخرية.

لم يواجه السخرية بالانطواء، بل واجهها بقبضتيه. تكاد الروايات عن طفولته تُجمع على وصفه صبيًّا سريع الغضب، سريع اللكم، لا يرتدع بالتهديد بالعقاب، لأن العقاب كان حاضرًا في بيته على الدوام. فإن كان توبيخ المعلم أو إيقاف المدير هو ثمن ألّا يُدفَع ويُهان، فهو ثمنٌ كان مستعدًّا لدفعه مرةً بعد مرة.

ثمة إغراء، عند الكتابة عن طفولة قاسية عانى منها شخص مشهور، في إضفاء هالة رومانسية على المعاناة، فيُقال إن كل إهانة كانت وقودًا خفيًّا لخطةٍ كبرى كان الطفل يحيكها منذ ذلك الحين. لكن تلك ليست طبيعة الذاكرة ولا الدوافع، وفي هذا ظلمٌ للحيرة والألم الحقيقيين اللذين يعيشهُما طفل مشوَّه الوجه حقًّا، فقير حقًّا، غير مرغوب فيه حقًّا، في بيتٍ يعجّ بالصراخ. أما النتيجة الصادقة التي يمكن أن نستخلصها من هذه المعاناة، فهي أن العزلة التي فرضها عليه مظهره وكلامه دفعته نحو أمرين صنعا مصيره وأيامه الآتية. الأول اعتماده على قوة الجسد، وحاجةٌ مبكرة ملحّة إلى أن يبلغ من القوة مبلغًا لا يستطيع معه أن يمسّه رأيُ أحدٍ في وجهه وتشكيله. والثاني حياةٌ داخلية غنيّة بالحكايات والأحلام والبطولات المتخيَّلة، لأن العالم الحقيقي لم يمنحه منها شيئًا يُذكر.

كيف تحوّلت العزلة إلى مصدر قوة وإبداع؟

وسيصف سيلفستر نفسه لاحقًا بأنه ظلّ منبوذًا معظم سنوات صباه، كشخص دخيل يقف على أطراف كل صورة جماعية. وهذه النظرة من الهامش، نظرة من يراقب ويمتصّ ما يحدث حوله ولا ينتمي تمامًا، ستصير بعد عقود من أثمن غرائزه المهنية. فقبل أن يعرف شيئًا عن بنية الحكاية أو تطوّر الشخصيات، عرف من تجربته المعيشة كيف يكون شعور من يُستهان به ويُنبَذ ويُشطَب قبل أن يكلّف أحدٌ نفسه عناء النظر إليه بإمعان وفهمه.

قد يكون من السهل أن نختم هذا الفصل بنغمة انتصار، فنُشير إلى هدير جمهور فيلادلفيا أو بريق التمثال الذهبي. لكن ذلك سيُسطّح طفولةً كانت، إن حسبناها بمقياس الصدق والصراحة التامة، طفولة قاسية، قاسية على نحوٍ خلّف ندوبًا، بعضها ظاهر على وجهه، وبعضها أعمق بكثير، مدفون في بنيان صبيٍّ تعلّم مبكرًا جدًّا أن العالم لن يرفق به، وأن عليه أن يصوغ دِرعه بنفسه من أي مادة تقع بين يديه.

أما عن علاج التخاطب، بالصورة التي كانت متاحة للأسر العاملة في الخمسينيات، فلم يقدّم سوى عون محدود لعيبٍ في النطق ناشئ عن عصب تالف كالذي عانى منه سيلفستر الصغير، ولا يوجد ما يدلّ أصلًا على أن أسرته امتلكت الموارد أو مجرّد الرغبة في السعي وراء أي مساعدة متخصصة إن وجدت. هكذا تُرك الطفل في الغالب ليبتكر استراتيجياته الخاصة في التكيّف، متعلّمًا بالتكرار المحض والمحاولة والخطأ أيَّ الكلمات والصيغ يقدر فمه على النطق بها بصورة أنقى وأوضح، وأيّها يُنتج دائمًا ذلك الصوت المطموس المجرور الذي يستدعي السخرية. وهذا التكيّف الذاتي، الذي جرى دون إرشاد مهني، سيغدو نمطًا يتكرر في حياته كلها: كلما واجه عقبةً لا تحسن المؤسسات المحيطة به مساعدته على تجاوزها، علّم نفسه في صمت حيلةً للالتفاف عليها، بدل أن ينتظر عونًا خارجيًّا كان من غير المرجّح أن يأتيه أو يقدّم له.

تشير الروايات المعاصرة ممّن عرفوه في تلك السنوات إلى مفارقةٍ ستلازمه عقودًا بعد ذلك: فعلى الرغم من كلامه المتقطّع الذي يصعب أحيانًا فهمه، كان يملك مفردات داخلية حيّة وبليغة على غير المتوقع، تظهر جليّةً كلما كتب بدل أن يتكلم. كان المعلمون الذين استهانوا به بوصفه تلميذًا ضعيفًا بناءً على تلاوته في الصف، يُفاجَؤون أحيانًا بما يبلغه ما يخطّه على الورق من رقيّ نسبي، متى أُتيحت له الفرصة. وستتبيّن هذه الفجوة بين طلاقته المكتوبة وطلاقته المنطوقة، في ما بعد، واحدةً من أهدأ الحقائق دلالةً في طفولته كلها، إذ استبقت مسارًا مهنيًّا لن تأتي أعظم انتصاراته فيه من أداء حوار كتبه غيره بدقة تقنية، بل من بناء شخصيات وعوالم كاملة على الصفحة، لم يتخيّلها سواه ولم يُنشئها إلا هو.

وقد دُرس الأثر النفسي لاختلافات أو تشوّهات الوجه في الطفولة، دراسةً أوسع في العقود الأخيرة مما كان عليه الحال في صبا ستالون نفسه، وخلص الباحثون إلى أن الأطفال الذين يختلفون في مظهرهم عن أقرانهم يطوّرون غالبًا استراتيجيات تعويضية تندرج في نمطين عريضين: الانسحاب، حيث ينكفئ الطفل عن الاحتكاك الاجتماعي تفاديًا لمزيد من التعرّض للسخرية، أو الاستعراض المضاد الحازم، حيث يبني الطفل حضورًا اجتماعيًّا مضخّمًا، وأحيانًا عدوانيًّا، مقصودًا به استعادة حياته من معذّبيه الذين كانوا سيمْلون عليه حكاياته ويصنعون مصيره، مخضعينه إليهم بدافع الهيمنة من طرفهم وضعفه. هكذا نرى أن طفولة سيلفستر ستالون تقع بلا لبس في الفئة الثانية، والحضور الجسماني العضلي المهيمن الذي سيقضي بقية مراهقته وشبابه في بنائه يمكن فهمه، جزئيًّا على الأقل، امتدادًا لهذه الاستراتيجية الدفاعية المبكرة ذاتها: تحويلُ جسدٍ خانه عند الولادة إلى جسدٍ يفرض الانتباه والاحترام بشروطه هو.

حتى إن علم النفس المعاصر قد يصف حال سيلفستر الصغير تحت مصنّف «التجارب السلبية في الطفولة»، وهو إطار وُضع بعد ذلك بعقود ليساعد الأطباء على فهم كيف يمكن أن يشكّل التعرّض المبكر لعدم الاستقرار والسخرية والاختلاف الجسدي أنماطًا سلوكية وعاطفية طويلة الأمد. وبالنظر إليها من هذه الزاوية اللاحقة الأدقّ علميًّا، ضمّت طفولته عددًا من عوامل الخطر التي يربطها الباحثون اليوم بارتفاعٍ كبير في احتمالات المعاناة في مراحل الحياة اللاحقة: بيتٌ فوضوي، ونبذٌ اجتماعي مزمن، واختلافٌ جسدي ظاهر يضعه تحت عيون أقرانه الثاقبة المترصّدة على الدوام. وكونه لم يؤكّد التوقعات الإحصائية المرتبطة بمثل هذا الملف، بل بنى حياةً راشدة بالغة الصلابة، ثم بالغة النجاح في نهاية المطاف، لا يمحو حقيقة عوامل الخطر تلك، وإنما يُظهر في حالةٍ موثّقة توثيقًا جيدًا أن الميل الإحصائي لا يعني قط قدرًا محتومًا.

ومن المفيد كذلك أن نتوقف لنتأمل كيف كان يمكن لهذه الظروف الجسدية نفسها أن تشكّل طفلًا نشأ في بيت أدفأ وأكثر استقرارًا على نحوٍ مختلف تمامًا. فاعوجاج الوجه وعيب النطق، في ذاتهما، حقيقتان بيولوجيتان محايدتان؛ وإنما ردّ الفعل الاجتماعي والأسري إزاءهما هو الذي يقرّر أيعيشهُما الطفل عارضًا هيّنًا أم جرحًا يعرّفه. وقد عاشهما سيلفستر ستالون جرحًا، وذلك في جانبٍ كبير من حياته لأن سائر بيئة طفولته لم تمنحه إلا القليل من الدفء والطمأنينة المقابلة. وليس في هذا زعمٌ بأن تربيةً أفضل وحدها كانت ستحول دون ظهور «روكي» أو «رامبو»؛ إنما هو مجرد ملاحظة بأن نقطة الانطلاق البيولوجية نفسها، لو وُضعت في سياق أسري مغاير، لأمكن أن تُفضي إلى مآلٍ نفسي مختلف اختلافًا كبيرًا، وتذكيرٌ بأنه لا عامل واحد في حياةٍ بهذا التعقيد يعمل بمعزل عن سائر العوامل.

2 Responses

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form