قُبلة الموت الحلوة

🕓 وقت القراءة: 13 دقيقة

مشاركة المقالة:

الكاتب/ شريف صالح

“قبلة الموت الحلوة” قصة قصيرة من مجموعة “حكايات مزدوجة” الفائزة بجائزة سرد الذهب 2025 التابعة لمركز اللغة العربية في أبوظبي، تصدر قريبًا عن بيت الحكمة.

مر عليّ القمر أربع مرات وفي آخر مرة ابتسم في عيني: “أين حبيبك؟!” حتى الضفدعة إيميلي داعبتني في حافري وقالت بطريقتها الساخرة: “أعتقد أن فرانك تخلى عنك”. صهلتُ صهلة غاضبة: “اخرسي أيتها الضفدعة الحقيرة”.

كنا نعيش معًا في الإسطبل أنا والقمر سينين والضفدعة إيميلي والفأر جون وشجرة سيكويا عملاقة كنا نسميها “المجنونة” لأنها تطول بلا حساب، فكيف نتكلم معها وهي تخفي رأسها في السحاب؟

أما أنا فكان اسمي “قُبلة حلوة” وليس “دارلي” و”بيرلي” كبقية الخيول. كنتُ فرسًا قوية لكنني لا أتباهى بقوتي، ولا أتحدث مع أي حصان باستثناء التحية وعبارات مقتضبة يفرضها الواجب.

ذات مرة نبهتني إيميلي الثرثارة أن “الشعار الأزرق” وهو حصان أسود انضم حديثًا إلى الإسطبل يُكن لي مشاعر الإعجاب. ربما معها حق. لأنه كان يميل برأسه حين أمر أمامه ويصدر حمحمة لطيفة كأنها موسيقى بيتهوفن. كان من الذوق أن أرد عليه بحمحمة لطيفة أيضًا. وكنتُ أبتسم لأن نظراته تظل عالقة بي تتأمل بطني وسيقاني الرشيقة. ونحن على المشرب واتتنا الفرصة كي نتكلم وقتًا طويلًا. كان مبهورًا ولم يصدق حين أخبرته أنني من سلالة عربية أصيلة وأن أمي صقلاوية. لا أعرف هل كذب عليّ أم كان صادقًا حين أخبرني أنه من سلالة الحصان “غودلفين” الأول. كان أسمر وقويًا وله نظرات ملاك مليئة بالحب. لا أنكر أن قلبي كان يدق له بطريقة لم أعهدها مع أي جواد آخر.

لأن القمر سينين يعيش في السماء كان يعلم أشياء كثيرة لم تحدث بعد، وهو من أخبرني بطريقة لا تحتمل الشك: “قبلتي الحلوة، اسمعي. ستتزوجين الشعار الأزرق.. العام القادم.. وسأشهد بنفسي حفل زفافكما”.

عندما أخبرني سينين بمعلومة خطيرة مثل هذه، وجدتني أتخلى عن حذري المعهود، وحدث في إحدى المرات، وكنا في الصباح والجو بارد ينخر في العظام، أنني مررت أمام غرفة “الشعار الأزرق” فاقتربتُ منه بمؤخرتي ثم رفعتُ ذيلي قليلًا وسمحتُ له أن يقرب فمه مني. لم يحدث بيننا أكثر من ذلك. فقط أردتُ أن يعرف رائحتي الخاصة ويظل يحلم بها لشهور قادمة.

كانت إيميلي تراقب المشهد من بعيد وهي تضحك بطريقتها البلهاء، وكنا نعرف جميعًا أنها تحب جون الفأر، لكنه لا يعيرها انتباهًا، سينين نفسه تدخل كي يقنعه بتبادل الحب معها، لكن جون كان عدميًا لا يؤمن بالحب ويقضي ساعات طويله في عتمة أنابيب الصرف الصحي، ويدعي أنه يكون سعيدًا حين يبقى بمفرده ولا يرى أي مخلوق حي. لن يجلب لنفسه التعاسة بالاقتران بضفدعة بلهاء! أعتقد أن جون كان خائفًا من الحب، ومن الحياة نفسها، وكان يرتجف بشدة حين يرى صديقي فرانك هايز قادمًا من بعيد.

فرانك شاب خجول، كان في العشرين من عمره، لكن بدانته تجعله يبدو أكبر سنًا. وكان يتردد علينا بانتظام بحذائه الطويل وقبعة الكاوبوي المثقوبة من الحواف. كلنا كنا نحبه ـ ما عدا جون ـ لأنه طيب لا يؤذي نملة، ولا يرفع صوته في وجه أحد.

أجمل ما في الإسطبل هنا، ليس العلف والماء وأدوية الحُمى بل الحب. كنا نتكلم بلغات كثيرة مختلفة، كلها تخبرنا شيئًا عن الحب. سينين نفسه كان واقعًا في غرام سيكويا المجنونة، وكان يقضي معظم الليالي فوق أغصانها العالية، ولأنها مجنونة، كانت تتوهم أنها سوف تستأثر بنوره كله لنفسها.

أما إيميلي، فبعدما يئست من لفت نظر جون الفأر، اختفت حوالي أسبوعين، حتى ظننتُ أن مكروهًا أصابها. ماذا لو داس عليها حافر شرس لا يرحم؟ كنا نسمع ـ آنذاك ـ عن ظهور اختراع جديد يسير في الشوارع بسرعة فائقة يسمونه “سيارة”، وكان الناس يحبون تلك السيارات برغم أنها تدهس المارة، ولا تنتبه للكائنات الصغيرة التي تمشي خائفة فوق الأرض. أيامها سألتُ سينين عنها فقال: “عزيزتي القبلة الحلوة. تعلمين أن إيميلي صغيرة جدًا.. قد تكون غرقت في بركة السباحة.. أو التهمتها أفعى. أو خطفها جون وأخفاها في إحدى البلاعات.. من يدري! ليس من السهل أن أراها من تلك المسافة البعيدة مهما أرسلت أشعتي تبحث عنها هنا وهناك”.

لم يعجبني كلام سينين، وللأسف لا أستطيع أن أفك قيدي وأخرج بنفسي للبحث عنها في ليلة ماطرة كهذه، كانت مليئة بأصوات غريبة ومخيفة.

بعد قداس الأحد في الكنيسة القديمة المجاورة لنا، ظهرت إيميلي أخيرًا.

ـ “أين كنتِ أيتها الفضولية الثرثارة؟! هل كنت تصلين في الكنيسة؟”

ـ “تعلمين أننا نحب الله ونصلي له في كل مكان.. لا نحتاج إلى كنيسة

 أو مسجد”.

ـ “فأين كنتِ؟ قلقنا عليك..وسينين ظل يبحث عنك”.

ـ “سأخبركِ.. بشرط أن تحتفظي بالسر ولا تخبري جون. اتفقنا؟”.

ـ “اتفقنا”.

روت لي أنها التقت ضفدعًا بنفسجيًا يعيش في حقل قريب. أحبته من النظرة الأولى فأغراها بالعيش معه هناك، ثم اكتشفت أنه خائن ولا يترك أية ضفدعة في حال سبيلها. الوغد كان يُستثار من أي نقيق. لذلك لكمته وطرحته أرضًا ثم عادت إلى الإسطبل.

ـ “أحسن، قلتُ لك لا تثقي في الغرباء والأوغاد”.

كانت إيميلي تتصنع الابتسام، لكنني أعلم أنها حزينة، ولم تتجاوز ما حدث لها. بدت أكثر بدانة، حتى نقيقها أصبح غليظًا لا يُطاق.

ـ “قبلتي الحلوة؟”.

ـ “ماذا يا إيميلي؟”.

ـ “هل تظنين أنني سأسترد صوتي الجميل؟”.

ـ “بالتأكيد يا حبيبتي.. تجربة واحدة سيئة لا تعني أن الحياة كلها سيئة”.

سينين هو الآخر غاب لأيام، حتى الشجرة المجنونة نفسها استغربت غيابه الطويل وسألتني عنه، فقلت لها:

ـ “ألا ترين العواصف حولنا.. كيف سيأتي في مثل هذا الجو السيئ؟”.

ليس هناك شيء يثير اهتمامنا في الأماسي الطويلة إلا الحب والكلام عن الحب. كنا نتحدث عن الحب بالصهيل والنقيق والخرير والحفيف والأزيز، وبكل لغة حية متاحة في الإسطبل.

في منتصف الشهر تقريبًا ظهر سينين وبدا بصحة جيدة يُحسد عليها، وفجأة سألني:

ـ “هل أخبرتِ صديقك فرانك أنك تستعدين للزواج من الشعار

 الأزرق؟”.

ـ “ولماذا أخبره؟”.

ـ “تعلمين أن فرانك مفتون بك وربما يُصاب بالجنون”.

ـ “لا يوجد مجنون هنا غيرك أنت وشجرتك العملاقة البلهاء.. طبيعي

أن أتزوج حصانًا. فرانك شاب طيب وسيجد يومًا ما فتاة تسعده وتنسيه

 حبي”.

ـ “أنا قمر ولا أحب الشجرة المجنونة فقط. بل أحب النهر والأطفال

 وأسطح البيوت والنوافذ المفتوحة في الليل”.

ـ “أعلم أنك تحب أي شيء يظهر أمامك.. لكنك لن تنجب قمرًا صغيرًا

 من تفاحة”.

كنا نحب، وكان الحب يذهب بنا إلى مسارات غامضة ومجنونة. أخافني كلام سينين لأن فرانك يحبني حقًا بجنون، وربما يقتلني إذا علم بقصة الحب بيني وبين الشعار الأزرق، لذلك تحاشيت تبادل الحمحمة معه عندما يكون فرانك موجودًا يتولى شؤون الإسطبل.

في تلك الأيام، زارتني الآنسة فرايلينغ التي تملك حق بيعي، فتعانقنا ووضعت رأسي على صدرها وهي تحضنني بحب، وهي أيضًا سألتني:

ـ “هل تفضلين الزواج من الشعار الأزرق أم الحصان كيكينغ؟”.

كان سؤال سيدتي محرجًا بعض الشيء، لكنني أملت رأسي ناحية غرفة الشعار الأزرق الذي كان يطالعنا من بعيد، فابتسمتْ الآنسة وقالت وهي تودعني:

ـ “سأخبر فرانك لكي يساعدك في التجهيز للزفاف”.

بعدما انصرفت الآنسة فرايلينغ، أتت إيميلي مسرعة وهي تلهث:

ـ “الأفضل يا صديقتي أن تخبري فرانك بنفسك قبل أن يعرف من

 غيرك.. هذا الشاب المسكين عاطفي جدًا وربما يرتكب حماقة سيئة

جدًا”.

ـ “لا أعرف يا إيميلي”.

ـ “لا تعرفين! أرجوك لا تتلاعبي بمشاعر الشاب الصغير”.

كانت إيميلي محقة، وسينين نفسه تكلم معي أيضًا، حتى الشجرة المجنونة اتهمتني أنني أستغل جمالي النادر وأتلاعب بقلوب الجميع في الإسطبل. من يدري ربما يظهر جون فجأة من مخبئه السري كي يخبرني أنه هو الآخر يحبني!

كان فرانك كريمًا معي، ويجلب لي التبن النظيف الطازج مع سطل الماء البارد، بعدها يأخذني في جولة تمشية صباحية، وكنت أحب أسلوبه اللطيف حين يضع يده برفق خلف أذني ويسحب رأسي نحوه كي يعانقني. هو الوحيد الذي كنتُ أسمح له أن يلمس كفلي وساقي الخلفية وبطني، لأنه كان حريصًا على نظافتي من أي شيء يعلق بجسمي.

مر على الإسطبل أكثر من عامل لكن فرانك وحده من كان يفهم صهيلي، ويدرك إذا كنتُ غاضبة أو حزينة من حركة ذيلي أو أذني. حتى عندما أستسلم للنوم بلا رغبة في فعل أي شيء، كان يتسلل إلى غرفتي فيقبل رأسي ويهمس لي بقصيدة بوشكين:

” أيها الحب

أصغِ لصراخي أيها الحب

وأرسل رؤاك ثانية إليّ

وعندما ينبلج الصبح

لا توقظني

بل دعني أرقد رقدتي الأبدية”

لا أعلم لماذا كنتُ أحب أشعار هذا النبيل الروسي، وكانت عيني تدمع حين يروي لي فرانك قصته الحزينة وكيف مات في مبارزة عبثية دفاعًا عن شرف حبيبته ناتاليا.

لم يتأخر فرانك يومًا في علاج حوافري وتنظيفها بانتظام، وربما الألفة العميقة بيننا هي التي جعلت إيميلي وسنين والشجرة المجنونة يعتقدون أن ما بيننا قصة حب. لا أنكر أنني أحبه ولا أتمنى أن يتعرض لأي أذى كما حدث مع العامل السابق جورج الذي رفسه كيكينغ رفسة كادت تقضي عليه، ومن بعدها اختفى من الإسطبل.

كيف أتصرف مع قلبي؟ أحب فرانك، لا شك في ذلك، لكنني أعلم أنني أحب “الشعار الأزرق” بجنون وأنتظر يوم زفافنا بفارغ الصبر! ماذا لو أخبرته الآنسة بالموضوع؟ هل سيكرهني ويتوقف عن الهمس بقصائد بوشكين في أذني؟!

عليه أن يكون منطقيًا، لأنني لن أتحول إلى فتاة أمريكية شقراء بعينين زرقاوين مثل فتيات السيرك، ولن أطهو له بيتزا الخضروات التي يحبها بجنون.

فرانك كان يحكي لي كل تفاصيل حياته، ماذا أكل بالأمس، ومع من تشاجر في الشارع. وكان مولعًا بالفرجة على سباقات الخيول، وينفق معظم راتبه في قطع التذاكر. قال لي إنني الوحيدة التي أسمعه بحب ولا أسخر من بدانته مثل الآخرين. لأول مرة ألتقي رجلًا تجري في عروقه دماء إيرلندية وليس كئيبًا ولا عصبيًا.

لسبب لا أعلمه، وبدل التمشية الصباحية، قادني خارج الإسطبل:

ـ “أين سنذهب، فرانك!”.

ـ “هل أنت خائفة مني؟”.

ـ “إطلاقًا، أنت حبيبي، لكنني لا أفهم.. لماذا خرجنا؟”.

ـ “ما رأيك أن نهرب ونلف أميركا كلها.. ألا تريدن رؤية سنترال

بارك؟”.

ـ “ماذا لو علمت الآنسة فرايلينغ؟ أنت أحمق يا فرانك وستخسر

وظيفتك”.

ـ “لا يهم. وظيفة بائسة على أية حال”.

وصلنا إلى الحديقة لكنهم لم يسمحوا لنا بالدخول، وكانت مزدحمة بالزوار. بعد جولات عبثية في الشوارع دخلنا غابة الكرز. كان منظرها فاتنًا بزهورها البنفسجية الشاحبة.

ـ “أليست رائعة أكثر من الإسطبل؟”.

ـ “رائعة يا فرانك. من فضلك علينا أن نعود قبل أن يحل المساء”.

ـ “لا تقلقي، قبلتي الحلوة، سنعود”.

في طريق عودتنا، غلبنا الصمت والهدوء، كان يطبق بساقيه على جانبي بطني.

ـ “فرانك، أريد أن أخبرك بأمر مهم”.

ـ “وأنا أيضًا، قبلتي الحلوة، لدي خبر مهم لك”.

ـ “ما هو؟”.

ـ “أخبريني أنت أولًا”.

تجادلنا وقتًا، وفي نهاية المطاف قال إنه قرر الاشتراك في سباق “بلومنت بارك”.

ـ “لكنك لست فارسًا، فرانك!”.

ـ “هل معنى هذا أنني سأبقى للأبد مجرد عامل في إسطبل؟!”.

ـ “لا أقصد إهانتك. لكن…أنت وزنك زائد”.

صمت ولم يرد. أحسستُ أنني جرحته بتلك الجملة غير اللطيفة، وقررتُ ألا أتحدث معه بشأن زواجي من “الشعار الأزرق”.

ـ “إذا أنقصتُ وزني، تقبلين المشاركة في السباق معي؟”.

ـ “طبعًا يا فرانك، أنت أعز صديق لدي”.

تراهنت معي إيميلي وقالت إذا جون ترك أنابيب الصرف الصحي وعاش قرب مخزن العلف، فإن فرانك سوف ينقص وزنه. ضحكت سيكويا المجنونة وهزت جسدها قليلًا تسخر منا.

خلال الأسابيع الثلاثة التالية اقترب فرانك من الوزن المثالي المسموح به للفارس، لكنه ظل بحاجة إلى إنقاص أقل من عشرة أرطال، فاكتفى بشرب القليل من الماء.

لم تصدق الآنسة فرايلينغ هذا النشاط الذي دب في الإسطبل كله، والاستعدادات الصاخبة للسباق، وسألتني صراحة:

ـ “قبلتي الحلوة، هل أنت مستعدة للسباق؟”.

ـ “مستعدة ومتشوقة جدًا”.

أعلم أن الآنسة لا تثق فيّ تمام الثقة، وكانت تفضل أن أتزوج أولًا. وطبيعي أن تشك في الموضوع برمته، لأننا ـ أنا وفرانك ـ ليس لدينا خبرة كافية بسباقات الخيول، والكل يعلم أن فرانك ليس فارسًا محترفًا. بدا الأمر كله كأنه مزحة سخيفة تورط فيها الجميع. سينين وحده حدثني في الليل. شجعني وقال لي: “قبلتي الحلوة، ستفوزين وستدخلين التاريخ أنت وفرانك”.

هل ستتحقق نبوءة سينين الذي يعرف كل شيء عما يقع في الأرض قبل أن يقع؟

استغرقنا ساعات طويلة في تدريبات شاقة، لكنني لم أشعر بأي تعب. كانت إيميلي تودعنا ونحن نغادر الإسطبل وتنتظر عودتنا بفارغ الصبر كي تسألنا عما فعلنا.

تخلى فرانك سريعًا عن الارتباك والرهبة، وأصبح يجلس مستقيم الظهر وهو يتطلع إلى الأمام بثقة، ويتنفس بعمق. كنتُ أحس به من تشنجات رجله التي تحيط ببطني.

تحدد موعد السباق يوم الاثنين في الرابع من يونيو القادم، وتمنى لي أصدقائي: القمر سينين وإيميلي الضفدعة والشجرة المجنونة والفأر جون، الفوز. حتى “الشعار الأزرق” نظر إليّ نظرة جميلة وحمحم قائلًا: “ستفعلينها يا فتاة”.

وحدها الآنسة ظلت مرتابة منقبضة الصدر، بعدما رأت فرانك مرهقًا هزيلًا أكثر مما يجب:

ـ “فرانك، هل أنت بخير؟”.

ـ “الحمد لله، آنسة فرايلينغ”.

ـ “لا أظنك بخير أيها المسكين الهزيل!”.

حفظنا كل القواعد الخاصة بالسباق، وجاء اليوم المشهود، زحام وصخب هنا وهناك، ونساء جميلات يرتدين أجمل الثياب. سمعتُ بأذني أن معظم المراهنات تذهب إلى الحصان جيمي، وأنه حتمًا سوف ينتصر بكل سهولة. بعضهم سخر من اسمي “القبلة الحلوة” و ضحكوا حين علموا أنني لم أشارك في أي سباق من قبل.

فرانك أيضًا تألم من تهكم هؤلاء الأثرياء المرفهين الذين ضحكوا عليه لأنه ليس فارسًا حقيقيًا، وكان الأجدر به أن يركب كلبة ضالة في شوارع بروكلين.

من تشنجات سمانة رجله، أحسست بتسارع نبضات قلبه:

ـ “فرانك، هل أنت بخير؟”.

ـ “بخير، قبلتي الحلوة”.

ـ “سينين أخبرني قبل يومين أننا سوف ننتصر”.

ـ “حقًا؟”.

ـ “لا تخف يا فرانك، سننتصر على جيمي وعلى كل الأثرياء الأوغاد”.

ـ “لا يهم. يكفي أننا حاولنا”.

ـ “لا تكن سخيفًا. سننتصر بالحب، فقط اقرأ لي قصيدة لبوشكين”.

ـ “سأقرأ لك واحدة إذا فزنا”.

بفضل هذه الدردشة الساذجة تلاشى توتره، وكانت إيميلي مختبئة معنا كي تشاهد المعركة بنفسها، وانشغلت بمراقبة الخيول الأخرى، وهي تردد مازحة: “سأخرج من عيني سحرًا يجعلها لا تلحق بنا”.

كان مضمار السباق يزيد عن ميلين، وقد تجاوزنا “جيمي” بسهولة وبقية الخيول الأخرى. لم أهتم بالعرق الذي تصبب مني، لأن صياح إيميلي كان يطربني ويحفزني على القفز والطير كأنني ريشة في مهب الريح.

لا أعلم ما حدث آنذاك، فقبل النهاية بمئة ياردة فقط، مال فرانك بجسده وألقى بصدره عليّ:

ـ “فرانك، هل أنت بخير يا فتى؟”.

لم يرد علي.

ـ “إيميلي، انظري، هل فرانك بخير؟”.

ـ “لا أعلم. يبدو أنه نام. هل هذا وقته أيها الأحمق؟!”.

رفعتُ رأسي للأمام فرأيت خط النهاية أمامي على بعد أربع خطوات، قفزتها دفعة واحدة،  وحين رفعتُ رأس لأعلى رأيت فرانك نفسه يقف أمامي وهو يضحك ويفتح لي ذراعيه، دوى الصياح في كل مكان، عانقني فرانك وظل يقبل رأسي.

وصلت الآنسة فرايلينغ وهي تصيح فرحًا وتهنئ الفارس لكنها رأته ملقى فوق ظهري ولا يتنفس. هزت جسده وصاحت مذعورة.

ـ “فرانك. فرانك هايز.. أنت الفارس.. فزنا يا فرانك. فرانك. فزنا. قم

 يا فرانك”.

جاء الطبيب مسرعًا وسمعته يخبر الآنسة: “فرانك مات، آنسة فرايلينغ!”

ـ “يا ربي!غير معقول! ما هذه الخدعة الشريرة يا فرانك؟ لماذا تموت

 في اللحظة التي حققت فيها حلم حياتك؟!”.

نشرت الصحف والإذاعات حكايتي أنا وفرانك، أطلقوا عليّ اسم “قبلة الموت الحلوة”، قالوا إن فرحته الزائدة قتلته، وقالوا إنه لم يكن جاهزًا بدنيا لما يتطلبه دور الفارس من لياقة بدنية.

وصفوا فرانك هايز بأنه أول بطل في التاريخ يفوز وهو ميت، فلم يعش ليشهد بنفسه تصفيق الناس له. لكنني كنتُ متأكدة أنني رأيته واقفًا أمامي وهو يعانقني ويضحك ويقبلني في جبيني. إيميلي نفسها قالت إنها رأته نائمًا فوق ظهري، وأنا رأيته واقفًا وسعيدًا.

بعد ثلاثة أيام شاركنا في جنازة فرانك وودعناه في مقبرة الصليب المقدس في بركلين. كان نائمًا كالأطفال في زي الفارس الذي ارتداه أثناء السباق.

ظل الإسطبل حزينًا وقتًا طويلًا، تخلى جون عن حذره ورعبه من البشر، ولازمني في غرفتي بضعة أسابيع لتعزيتي، إيميلي أيضًا لم تتركني بمفردي. أصدرت سيكويا المجنونة صوتًا يشبه النحيب، أما سينين فاحتجب كعادته عندما يكون حزينًا على أحد.

احترمتْ الآنسة فرايلينغ رغبتي في عدم الزواج أو المشاركة في أي سباق آخر:

ـ “أتفهم حزنك، قبلتي الحلوة”.

في الليالي الهادئة كان سينين يسطع ويضيء كل شيء حولنا، حينئذ كان فرانك هايز يظهر مبتسمًا في زي الفارس، وكان يعانقني ويجلس معي قليلًا وهو يقرأ قصيدة بوشكين:

“أيها الحب

أصغِ لصراخي أيها الحب

وأرسل رؤاك ثانية إليّ

وعندما ينبلج الصبح

لا توقظني

بل دعني أرقد رقدتي الأبدية”.

……………….

من مجموعة “حكايات مزدوجة” الفائزة بجائزة سرد الذهب الإماراتية، تصدر قريبًا عن بيت الحكمة.

3 Responses

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form