
كتبت/ ميشلين وهبي
تساؤل لحوحٌ يشغلني، يحاصرني بصيغ كثيرة دون إجابة!
أين تكمن المشكلة الحقيقية في العلاقات؛ عند خسارة الأشخاص أم خسارة الواقع الذي كانت تعززه تلك العلاقة ولماذا نسعى لتصحيحها؟
وإذا افترضنا أن أسباب الإصلاح شكلية كقولنا “الله لا يشمت حدا فينا”
فهل يكون هنا الحرص على العلاقة هو الأولوية أم على عدم إعطاء الشامتين ما يبتغونه؟
هل من الممكن اعتبار حل كهذا غايةٌ يبررها السبب!
وقد يرد تساؤل جديد هنا، هل تؤثر حقيقة أن التفاوت في سرعة التطور لدى الأشخاص على تسارع نهاية بعض العلاقات؟
وما تأثير ذلك على صحتنا النفسية، كل تلك الصدمات أو الجروح اللامرئية التي تصيبنا وتطعن هشاشتنا البشرية أين نذهب بها نتجاهل؟ نواجه؟ نصمت؟ نبوح؟ نحاول أن نشفى؟
هل الشفاء يصبح حقيقيا؟
هل يكون هذا الشفاء حقيقي؟
أم أن كل محاولة هي ضماد جديد يغطي الجرح ويداري عمقه، يبعدنا بمقدار طبقة عن رؤية الألم والاعتراف به
وهل الألم أصلًا يحتاج إلى علاج دائم، أم أنه يحتاج فقط إلى الاعتراف بوجوده؟ وهل يمكن لجرح أن يلتئم مع التزامنا بإنكار وجوده؟ أم أن الإنكار نفسه يصبح مع الوقت شكلًا آخر من أشكال التعايش أو التعافي؟
ثم ماذا عن الذكريات؟ تلك التي لا ترحل رغم غياب أصحابها. هل نحن نشتاق إلى الأشخاص فعلًا، أم إلى النسخة التي كنا عليها حين كانوا جزءًا منها؟ هل نفتقدهم لأنهم كانوا استثنائيين، أم لأن وجودهم كان يمنح لحياتنا معنى أو ترتيبًا معينًا؟
وهل يمكن أن يتحول الحنين إلى فخ؟ أن نبقى عالقين في صورة مثالية للماضي، لا لأنه كان جميلًا كما نتذكره، بل لأن ذاكرتنا اختارت أن تحتفظ بما يخفف وطأة الخسارة؟
ثم لماذا تبدو بعض العلاقات وكأنها تنتهي على الورق فقط؟ تنتهي الأحاديث واللقاءات والوعود، لكن أثرها يبقى حاضرًا في التفاصيل الصغيرة؛ في الأماكن، في الأغنيات، في العبارات العابرة، وفي تلك اللحظات التي تداهمنا بلا مقدمات.
وهل النضج يعني أن نتجاوز كل ذلك؟ أم أن النضج الحقيقي هو أن نتقبل أن بعض الأشياء لا تُتجاوز بالكامل، أو نتعلم فقط كيف نحملها دون أن تثقل خطواتنا؟
وأين يذهب كل ذلك الكم من المشاعر التي لم تجد طريقها إلى التعبير؟ الكلمات التي لم تُقل، والاعتذارات التي لم تصل، والأسئلة التي بقيت معلقة دون إجابة. هل تتبخر مع الوقت، أم تستقر في أعماقنا وتعيد تشكيل نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين؟
وربما لهذا السبب نخاف من العلاقات الجديدة. ليس خوفًا من الأشخاص بقدر ما هو خوف من تكرار الألم، أو من اكتشاف أن هشاشتنا ما زالت كما هي رغم كل ما ظننا أننا تعلمناه.
لكن هل تكون الهشاشة عيبًا أصلًا؟ أم أنها الثمن الذي ندفعه مقابل قدرتنا على الحب والتعلق والانتماء؟ وهل يمكن لإنسان أن يعيش محصنًا بالكامل دون أن يخسر في المقابل جزءًا من إنسانيته؟
أسئلة كثيرة، وربما لا تملك إجابات حاسمة. لكن مجرد طرحها يبدو أحيانًا كأنه محاولة لفهم أنفسنا أكثر، أو على الأقل للتصالح مع حقيقة أن بعض الجروح لا تلتئم لأنها اختفت، بل لأنها تعلمت أن تعيش معنا بصمت.



