ألعاب الكتابة المرحة

🕓 وقت القراءة: 12 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتب/ محمد أبو زيد

يروي الكاتب التشيكي ميلان كونديرا، أنه حين نشرت مجلة النيويوركر الأجزاء الثلاثة الأولى من روايته “كائن لا تحتمل خفته”، حذفت بعض المقاطع المرتبطة بفكرة “العود الأبدي” لفريدريك نيتشه، خشية “الميل للتثاقف” أو “الإفراط في الفلسفة”. غير أن من يقرأ النص الكامل المنشور للرواية، سيكتشف أن تلك المقاطع لم تكن خطاباً فلسفياً مباشراً، وأنها جزء من لعبة الرواية نفسها، ومن مفارقاتها الداخلية وآلياتها السردية التي تبني العالم الروائي وتمنح شخصياتها مزيداً من العمق.

ما فعلته المجلة الأدبية الأشهر، يكشف عن حساسية قديمة تجاه التجريب، لا تزال حاضرة حتى اليوم لدى كثير من الناشرين والقراء، الذين يفضلون الحكاية المألوفة التي تمضي في طريقها المعتاد والمُعبّد مسبقاً، والخالية من أية مغامرة شكلية أو خروج عن المتوقع.

والمشكلة أن هذه الحساسية لا تتوقف عند حدود التلقي، إذ أنها تنتقل إلى الكتّاب أنفسهم، فيتردد بعضهم في خوض مغامرة أو تجربة لعبة فنية جديدة خوفاً من رفض الناشرين أو عزوف “القارئ المضمون”، وهو ما يحد بالتالي من قدرة الأدب على اكتشاف أشكال جديدة للفن.

وإذا كانت ثيمات الكتابة الروائية ثابتة ومعروفة، فإن ما يميز نصاً عن الآخر، هو اللعبة الفنية التي يبتكرها الكاتب في نصه، وهذه اللعبة ليست بالضرورة أن تكون تجريباً محضاً، فقد تكون في البناء أو الحبكة أو توزيع الأصوات أو الحوار، أو في استدعاء فنون أخرى إلى النص.


قد يعتقد البعض هنا أني أخلط بين مصطلحات “التجريب” و”اللعب” و”المغامرة” التي أستخدمها بالتبادل، لكن في ظني أن ثمة خيطاً يجمعها، فاللعب هو الدافع الأول لتجريب أي شيء، هو تلك الرغبة الإنسانية القديمة في اختبار الاحتمالات واكتشاف طرق جديدة لرؤية العالم، أما التجريب فهو الشكل الفني الذي يتخذه هذا اللعب داخل النص، حين يقرر الكاتب أن يرى شيئاً مختلفاً في المرآة، أن يفتح نافذة جديدة تطل على المجهول، أن يبتكر طريقة مختلفة للسرد أو البناء أو اللغة. أما المغامرة فهي الثمن الذي يدفعه الكاتب مقابل ذلك، لأن كل خروج على المألوف ينطوي على احتمال الفشل بقدر ما ينطوي على احتمال النجاح.

ومن هنا يمكن القول إن اللعب هو الروح والتجريب هو الأداة والمغامرة هي الرحلة. وحين يكتب المبدع نصاً تجريبياً جديداً، أو يصنع “لعبة جديدة”، فهو في الواقع لا يفعل أكثر من الدخول إلى منطقة مجهولة لا يعرف نتائجها مسبقاً. وربما لهذا السبب ترتبط أكثر الأعمال الفنية حيوية عبر التاريخ بقدر من المخاطرة، سواء في الطرح أو التلقي، وأيضاً الرفض، وكثير من الأعمال التي تشكل اليوم علامات فارقة في تاريخ الأدب والفن كانت في زمنها قفزات في المجهول ورهانات خاسرة ، ويكفي أن نتذكر أن رواية عوليس لجيمس جويس، التي أصبحت إحدى أهم روايات القرن العشرين، بدت لمعاصريها مغامرة مفرطة في غرابتها، قبل أن تتحول لاحقاً إلى أحد النصوص التي أعادت تعريف ما يمكن للرواية أن تصبحه.

وفي ظني أن هدف الكاتب الحقيقي في كل نص جديد هو خلق لعبة جديدة، قد تفشل وقد تنجح، لكنها وحدها القادرة على توسيع حدود الأدب وإضافة احتمال جديد إلى فضاءات الفن الواسعة.


ما المقصود باللعب أصلا؟

قد تبدو الكلمة “خفيفة” ومقترنة بلهو الأطفال، إذا قورنت بمفردات مثل “الإبداع” و”الفن” و”الثقافة”، غير أن عدداً من أهم المفكرين في القرن العشرين نظروا إلى اللعب بوصفه أحد الأسس التي قامت عليها الحضارة الإنسانية نفسها. ففي كتابه الشهير “الإنسان اللاعب” يرى يوهان هويزينجا أن “الثقافة تنشأ في صورة لعبة”، فالشعر والطقوس الدينية والأساطير والمنافسات الرياضية وحتى بعض أشكال والسياسة بدأت جميعها بوصفها ألعاباً لها قواعدها الخاصة وعالمها المنفصل عن الحياة اليومية قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى مؤسسات اجتماعية مستقرة.

واللعب، بهذا المعنى، ليس نقيض الجدية، وإنما أحد أشكالها العليا. فالطفل حين يلعب يشعر أنه يعيش داخل عالم كامل من القواعد والاحتمالات، وحين يدفع قطاره الخشبي بيده أو يقلد صوت صافرته، فإنه يسمع صوته يدوي في أذنه ويراه يتحرك بالفعل والبخار يتصاعد منه، وفق شروطه الجديدة التي وضعها، إنه بهذا يعيد خلق العالم. والكاتب يفعل شيئاً قريباً من ذلك حين يكتب رواية أو قصيدة، فهو يبني عالماً مؤقتاً، يضع له قوانينه الخاصة، ثم يدعو القارئ إلى الدخول إليه والتفاعل معه، لهذا يمكن النظر إلى كل عمل أدبي كبير باعتباره لعبة فريدة تقترح طريقة مختلفة لرؤية العالم.

ويقدم الفيلم النرويجي ” Sentimental Value القيمة العاطفية” للمخرج يواكيم تيرنر مثالاً مهماً على هذا المعنى، ففي بدايته تطلب المعلمة من الطفلة نورا أن تكتب موضوعاً تعبيرياً كما لو كانت شيئاً، فتختار أن تكون منزلها، وتخيلت كيف كان بطنه يقرقر عندما كانت تنزل مسرعة على الدرج مع أختها الصغيرة لتغادرا من الباب الخلفي للمنزل الذي كان يراقبهما تنزلقان عبر ثقب في السياج قبل الوصول إلى الشارع حتى تغيبان عن ناظريه، وتساءلت نورا ما إذا كان المنزل يفضل أن يكون فارغاً وخفيفاً أم ثقيلاً ومأهولاً وإن كانت الأرضيات تحب أن يُداس عليها وإن كانت الجدران تتدغدغ، وهل سبق أن أحست بالألم في أي وقت”، هذا الخيال المحض، خيال الطفلة، يضحي هو موضوع الفيلم بأكمله، المنزل وحياته.

تبدو الفكرة للوهلة الأولى مجرد خيال طفولي عابر، لكن الفيلم يحول هذا الخيال إلى لعبة جمالية. فالبيت يتحول إلى كائن حي يحتفظ بالذكريات، ويحمل آثار الزمن ومن مروا به. وهكذا تتحول لعبة الطفلة الصغيرة إلى مفتاح لفهم العمل الفني بأكمله، وليس من المصادفة أن يؤكد ترير أن فيلمه ليس مجرد حكاية عائلية، بل محاولة للتأمل في الذاكرة والزمن والإرث العاطفي، وأن البيت هو اللعبة التي تنبثق منها الحكاية نفسها.

من هنا، يصبح اللعب هو طريقة لاختبار الواقع وإعادة تخيله. ولهذا يمكن النظر إلى كل تجريب ناجح باعتباره اقتراحاً لرؤية مختلفة للحياة. يقول المخرج الفرنسي جان لوك جودار إن “الحياة تشبه فيلماً مصنوعاً على نحو سيئ”، وهو قول يحيل إلى فكرة أن الواقع نفسه يحتاج إلى إعادة كتابة فنية، وأن على الفن أن يتدخل ليعيد ترتيبه ويمنحه إمكانات أكثر حيوية.

الكتابة شبيهة الإغواء

وربما لهذا السبب رأى رولان بارت في كتابه “لذة النص” أن الأدب يزدهر بفضل إمكاناته المفتوحة التي تدعو إلى الاستكشاف والتجريب وتمنح الكتابة والقراءة متعتهما معاً، لأن القراءة مشاركة في إنتاج المعنى ذاته. وقد وصفت سوزان سونتاغ بارت بأنه جعل “التعليم شبيهاً باللعب، والقراءة شبيهة بالحب، والكتابة شبيهة بالإغواء”، وهي عبارة تختزل جانباً مهماً من رؤيته إلى الأدب بوصفه مساحة للمتعة والاكتشاف.

التجريب إذن ليس عدواً للمتعة، بل إن هدفه الأول أن يصل إلى متعة جديدة غير مسبوقة وغير معتادة، ولهذا يقول بارت “إذا قرأت هذه الجملة أو هذه الكلمة بمتعة، فلأنها كُتبت بمتعة”، وهذه الجملة وحدها كافية لتلخيص العقد الضمني للمباراة بين لاعبيها، وأعني بهما الكاتب والقارئ، والمتعة التي تصل إلى القارئ تبدأ غالباً من متعة سابقة عاشها الكاتب وهو يبتكر لعبته الخاصة داخل النص.

والكاتب الذي لا يستمتع باكتشاف احتمالات نصه وبمفاجآت اللغة والسرد والشخصيات، يصعب عليه أن ينقل هذا الإحساس إلى قارئه، وأذكر هنا ما قاله ماركيز من أن شخصياته كانت “تفاجئه” وتدفعه إلى تغيير اتجاه الرواية أثناء الكتابة، وكأنها كائنات تمتلك استقلالها داخل العالم السردي، وهذه المفارقة تكشف أن الكتابة عملية انكشاف تدريجي، يتداخل فيها القصد مع الاكتشاف.

وإذا اتفقنا على أن اللعبة الفنية تقوم على طرفين أساسيين هما الكاتب والقارئ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يوجد قارئ مثالي في هذه الحالة؟ هل هذا النوع من الكتابة يحتاج إلى قارئ خاص قادر على دخول اللعبة وفهم قواعدها غير المعتادة؟ يجيب أمبرتو إيكو بقوله “أريد شريكاً في الجريمة، شخصاً يلعب لعبتي”، أي يريد قارئاً يشاركه اللعب، لأنه لا لعبة حقيقية دون طرفين، يستمتعان بها ويفهمانها ويكتشفان مساراتها على مهل، لكن من المهم أن يكون القارئ مدركاً لقواعد اللعبة ويحب هذا النوع من اللعب.

وهذا التصور لا يعني أن القارئ مسؤول وحده عن نجاح اللعبة أو فشلها. فانسحاب القارئ “المدرك” من النص في منتصف الطريق لا أحبذ النظر إليه بوصفه قصوراً منه، بل قد يكون مؤشراً على أن اللعبة نفسها لم تقدم له ما يسمح بمشاركته، لأن كل لعبة تحتاج إلى درجة من الوضوح في قواعدها، حتى لو كانت هذه القواعد قابلة للكسر أو التغير أثناء اللعب. وإذا كان النص غامضاً أو غير منطقي أو مغلقاً أو متخصصاً، فإن المشكلة هنا لا تعود إلى المتلقي بقدر ما تعود إلى خلل في آلية اللعبة ذاتها. ومن هنا يصبح نجاح اللعبة مرتبطاً بقدرتها على الموازنة بين الإخفاء والكشف، وبين القواعد التقليدية وقواعدها الخاصة.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم بعض الأعمال الفنية التي تشرك المتلقي في اللعبة دون أن تمنحه خيار البقاء خارجها. ففي بداية فيلم “تحت أشجار الزيتون” للمخرج الإيراني عباس كيارستمي ينظر الممثل إلى الكاميرا ويقول “أنا الرجل الذي يلعب دور مخرج هذا الفيلم”، فيتلاشى الحد الفاصل بين التمثيل والواقع، ويصبح حضور الفيلم كلعبة فنية جزءاً من البناء نفسه، وهو ما يضع المتلقي في قلب العمل الفني، ويجعله شريكاً بشكل مباشر.

ويحضر المعنى ذاته في رواية إيتالو كالفينو “لو أن مسافراً في ليل الشتاء”، التي تبدأ بمخاطبة القارئ: “أنت الآن على وشك قراءة الرواية الجديدة لإيتالو كالفينو، فاسترخِ، ركز واحتشد وبدد أية أفكار أخرى”، وكأن النص يجر القارئ إلى داخله ويعيد تعريف موقعه كلاعب منذ السطر الأول.

وتتخذ هذه المشاركة شكلاً أكثر صدامية في فيلم “funny games ألعاب مرحة” (1997) للمخرج النمساوي مايكل هاينيكي، حيث تبدو الحكاية في ظاهرها مألوفة، فيلم رعب آخر عن اقتحام المنازل، يدور حول عائلة تقضي عطلتها في منزل على الشاطئ، ثم يقتحم حياتها مراهقان غريبان تبدو على ملامحهما البراءة، يرتديان ملابس بيضاء وقفازات بيضاء ويتحدثان بلطف شديد، مزعج في بعض الأحيان، ويحتجزان العائلة داخل لعبة عنف قاسية ومؤذية للمشاهد.

حتى هنا تبدو قصة عادية مثل عشرات القصص التي قدمتها السينما وعشرات قصص الجيب والتشويق الشبابية، غير أن الفيلم يكسر هذا الإطار التقليدي حين يلتفت أحد المهاجمين مباشرة إلى الكاميرا في خضم ممارسة العنف ضد العائلة، ويخاطب المشاهد بنبرة واعية وساخرة، بأنه يعرف أنه منحاز للأسرة، هنا يضع المخرج المشاهد في قلب الفيلم ويجعله شريكاً فيه، يجعله رهينة إضافية لدى المراهقين الساديين وأن موقفه الأخلاقي من العنف جزء من اللعبة، في مشهد آخر يغمز أحد المهاجمين للمشاهد بعينه وهو ينظر للكاميرا، كأنه يقول له أعرف ما تفكر فيه، في إشارة إلى وعيه بوجود المتفرج ومشاركته الضمنية فيما يحدث.

وتبلغ هذه اللعبة ذروتها حين تنجح الزوجة في قتل أحد المهاجمين، في لحظة تبدو كأنها نهاية تقليدية سعيدة ومريحة نفسياً للمشاهد الذي تأذى من مشاهد العنف غير المبرر، قبل أن يقوم المهاجم الآخر بالبحث عن “ريموت كنترول”، وإرجاع المشهد قبل القتل واستئناف الفيلم قبل مشهد القتل، كأنه يلغي النهاية “المعتادة” ويعيد صياغة الحدث وفق منطقه الخاص، وفق منطق اللعبة لا منطق الحكاية التقليدية، في مشهد يصيب المشاهد بالصدمة ويفقده الثقة في تسلسل الأفلام المعلبة.

ويقول المخرج مايكل هاينيكي “أفلامي مقصودة كرد ضد السينما الأمريكية المعزولة عن الواقع والتي تحيّد جمهورها. أفلامي محاولة لصالح سينما تطرح أسئلة ملحة عوضاً عن أجوبة سريعة، ولصالح الاستفزاز والحوار عوضاً عن الاستهلاكية والتوجيه”، ولعل ما قاله هاينيكي هو أكبر دليل على التجريب واللعب والثورة على الشكل التقليدي للسرد الذي يتطلب وجود “نهاية  مطمئنة”، ينتصر فيها البطل الطيب ويموت الشرير، كما يحدث في الأفلام الأمريكية، ولعل المفارقة اللافتة أن السينما الأمريكية أعادت تقديم فيلمه هاينيكي بنفس الاسم بعد عشر سنوات (2007)، لكن في نسخة لم تحقق الأثر ذاته الذي حققه العمل الأصلي، وكأن التجربة حين تقدم لجمهور تعود على “نظام استهلاكي تجاري” معتاد، ستفقد روحها، ولن يفهمها الجمهور.

ويتضح لنا من هذه الأمثلة أن كسر الجدار الرابع يصبح احياناً استراتيجية لإعادة توزيع أدوار المشاركين في اللعبة، من يروي ومن يشاهد ومن يكتب النهاية؟ وبهذا المعنى، لا يعود القارئ أو المشاهد مجرد متلقٍ، بل يصبح لاعباً داخل النص، سواء أراد ذلك أم لا.

غير أن اللعب لا يعني الفوضى. فلا لعبة بلا قواعد. ثمة قواعد مشتركة يعرفها الجميع في الرواية مثل اللغة والشخصيات والسرد والإيقاع والبناء وغيرها. لكن الكاتب يضيف إليها قواعده الخاصة التي تتشكل أثناء الكتابة. وليس شرطاً أن يكون الكاتب واعياً بشكل كامل بهذه القواعد، العامة أو الخاصة، لأن العملية الإبداعية تقوم في جوهرها على فعل الخلق وليس السير وفق نمط جاهز، يقول أمبرتو إيكو: “عندما يقول الكاتب إنه عمل من دون أن يفكر في قواعد العملية، فهو يعني ببساطة أنه كان يعمل من دون أن يدرك أنه يعرف تلك القواعد.”، أي أن اللاوعي الإبداعي في كثير من الأحيان، ليس غياباً للقاعدة، وإنما إدراك غير واعٍ لها.

ومن هنا، فإن اللعب والتجريب لا يعنيان الثورة على كل ما سبق دون هدف. فمن الصعب، مثلاً، التخلي عن الحكاية أو الشخصيات بحجة تقديم نص تجريبي أو لعبة جديدة. ولهذا كان سلفادور دالي يوصي الفنانين بتعلم الرسم كما رسم الأقدمون أولاً، ثم فعل ما يريدون بعد ذلك، فيما كان كالفينو يصف النص الأدبي بأنه “جهاز يسهل الثورة على البنى الثابتة للكلمة المكتوبة ويكشف معاني جديدة”.

غير أن ثمة درجة أعلى من اللعب، حين يتحول الشكل نفسه إلى جزء من المعنى. ففي روايته “الصخب والعنف” يقدم ويليام فوكنر حكايته عبر أصوات متشظية ومتعارضة، وهذا التشظي السردي هو التعبير الأصدق عن عالم الرواية نفسه، إذ يظهر انهيار العائلة وتصدع القيم في بنية السرد بقدر ما يظهر في الأحداث. وهنا لا يمكن فصل الشكل عن المضمون، فكل منهما يعكس الآخر ويكمله.

وهذا ما يميز اللعبة الحقيقية عن اللعبة الزائفة، لأنه ليس بالضرورة أن تصبح كل مغامرة شكلية تجربة ناجحة. وحين يصبح التجريب غاية مستقلة عن النص، يصبح مجرد استعراض أكثر من كونه عملاً فنياً حقيقياً، لذلك يبقى التوازن بين الشكل والمضمون هو المعيار الأهم لنجاح اللعبة الفنية.

ولعل هذا كله يقودنا إلى السؤال الأهم في حياة أي كاتب: لماذا تعيش بعض الكتب بعد موت أصحابها، فيما تموت أعمال أخرى وهي ما زالت في المطابع؟ ما الذي يجعل نصاً عابراً للزمن، ونصاً آخر مجرد “ترند” ينتهي بانتهاء لحظته وحملته التسويقية؟، لماذا ما زلنا نقرأ “ألف ليلة وليلة” و”مقامات الحريري” و”دون كيخوته” و”الحرب والسلام”، ونستشهد بمحفوظ وبروست ودانتي وأوفيد وماركيز وساراماجو، بينما لا نذكر آخرين ربما كانوا أكثر حضوراً في زمنهم؟

لا توجد إجابة واحدة حاسمة بالطبع، لكن من الصعب تجاهل دور “اللعبة الفنية” في هذا الخلود. فهؤلاء الكتاب لم يكتفوا بسرد حكايات جيدة، واختاروا أن يبتكروا الألعاب التي تضم هذه الحكايات في ثناياها، و”ألف ليلة وليلة” ـ على سبيل المثال ـ لعبة مدهشة لشكل الليالي المتعاقبة، ذلك الإطار الذي استطاع أن يستوعب داخله عشرات القصص وأن يحول التأجيل نفسه إلى عنصر تشويق، فشهرزاد قدمت أكثر من حكاية، قدمت لعبة تتجدد كل ليلة، ويشارك القارئ في استمرارها عبر الرغبة في معرفة ما سيأتي لاحقاً.

لذا فإن الدرس المستفاد من هذا كله، هو أن على الكاتب ألا يخاف من الخطأ والمغامرة واللعب، فالكثير من التجديد يبدأ من إعادة النظر فيما يبدو خطأً في البداية، وبهذا المعنى يكون للكاتب الحق في أن يخطئ، لأن الكاتب الذي يخشى الخطأ يكتب بلا مجازفة، والكتابة بلا مجازفة تولد ميتة، والتجديد يأتي من إعادة النظر في الخطأ باعتباره ليس خطأً محضاً، وإنما بداية محتملة لمسار آخر غير متوقع.

يرى كارل يونغ أن “خلق شيء جديد لا يتم بواسطة العقل وحده، بل بواسطة غريزة اللعب”، لذا فإن “التجريب” و”المغامرة” و”كسر القواعد” ليست هامشاً في الإبداع ، فمن هذه الألعاب تبدأ الكتابة الحقيقية.

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form