حتى نعيش اختياراتـ(هم)

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتب/ محمد بن صوفان الاحبابي

لم يكن نقاشًا عابرًا، رغم أنه دار بمحض الصدفة بيني وبين أحد الأصدقاء؛ شاب في السابعة والعشرين من عمره، تخرج في واحدة من أعرق الجامعات الغربية، ويعتلي اليوم موقعًا وظيفيًا مرموقًا يُعد حلمًا بعيد المنال لأغلب أقرانه.

كان يتساءل بنبرة حادة يمتزج فيها الاستهجان بالفضول عن أسباب رفض صديق مشترك لعرض وظيفي سخي في الجهة ذاتها التي يعمل بها؛ تلك المؤسسة التي بُنيت على مفاهيم النخبوية، والتي يندر أن تصر على استقطاب أحد، وتُعد فرصة الانضمام إليها منحة استثنائية. كان لسان حاله يقول: كيف يُفتح له هذا الباب المغلق في وجه أغلبيتهم، فيعرض عنه بكامل إرادته؟ لم تكن إجابتي مسهبة، بقدر ما كانت حقيقية ومباشرة “اختار المكان الذي يريده هو، لا الذي يريده الآخرون له.”

لم أرد أن أبدو مدعيًا للحكمة أو متجاوزًا لواقعيته، لكنها الحقيقة التي نتحاشى مواجهتها كثيرًا: أننا نساق جراء انطباعات الآخرين.

جُبل الإنسان بفطرته على الاندماج والتعايش مع محيطه الاجتماعي؛ وهي غريزة استباقية أودعها الله في البشر لتكون مصدر قوتهم وحصنهم ضد المخاطر. غير أن الخطورة التنموية والنفسية تكمن حين يتحول هذا السعي الطبيعي للتكيف إلى عصا موسى التي تبتلع كل تمايز وتفرد، وتذيب استقلالية الفرد في قالب جمعي متصلب. كيف لمجتمع أن ينمو ويصلب عوده إذا غدا أفراده مجرد مسخ مكرر عن بعضهم البعض؛ يتبنون خيارات ليست خياراتهم، ويعتنقون نمط حياة لم يختاروه، خوفًا من التلويح الضمني بالإقصاء، أو التشكيك في مكانتهم، أو معاناتهم من النبذ الاجتماعي؟

تتجلى هذه الظاهرة بوضوح وتدفق ملحوظ في مجتمعاتنا الخليجية اليوم؛ حيث تتضاعف الضغوط الاجتماعية لنمذجة تفاصيل الحياة وتأطيرها، بدءًا من أبسط القرارات الشكليّة وصولًا إلى المحطات المصيرية.

في مقتبل العمر الوظيفي، تجد الشاب يقع ضحية لرهن نفسي غير معلن؛ فيُستدرج لاقتناء سيارة فارهة تتجاوز قدرته الحقيقية لمجرد مواكبة التوقعات، يتبعها البحث المضني عن رقم لوحة مميز يُكمل المظهر الاجتماعي المطلوب، ثم ساعة فاخرة تعلن انضمامه رسميًا لنادي المقبولين.

ولا يقف الأمر عند المظاهر المادية الثابتة، بل يمتد لأسلوب المعيشة وطرق الترفيه. فيدفع الشباب نفسه للانغماس في ترتيبات سفر مرهقة إلى عواصم ومدن أوروبية محددة، كـلندن، وجنيف، وباريس، وبرشلونة، لا لأنه مولعٌ بها ويتطلع ثقافيًا للتعرف على ما فيها، بل لأن “الجميع هناك”، ولأن توثيق اللحظة واستكمال “قائمة التحقق” الاجتماعية أصبح فرض عين لتجنب الشعور بالافتراق عن الركب. وما إن يعود أحدهم من سفره، حتى يجد الشغف الجمعي قد تحول فجأة نحو رياضة جديدة حظيت باهتمام شخصية ما، لتتحول بقدرة قادر إلى النشاط الأكثر رواجًا والواجب ممارسته دون تفكير أو تروٍّ.

يمتد هذا المسار القسري المتسلسل ليشمل تفاصيل الزواج، ومسكن الزوجية، وجنسية العمالة المنزلية، وخيارات مدارس الأبناء، وحتى وجهات الإجازات السنوية القادمة. يستمر هذا الاستنزاف النفسي والمالي حتى يستفيق الفرد بعد سنوات طويلة، ليدرك في لحظة صدق متأخرة أنه لم يعش حياته الخاصة مطلقًا، بل كان يعيش “خياراتهم هم”.

لقد خلق الله الإنسان مستخلفًا، وجعل تمايز العقول والأنفس أصلًا في عمارة الأرض، وقال في محكم كتابه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنَسَ نصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. “سورة القصص” نصيبك أنت.. بخصائصك، ورغباتك الأصيلة، وليس نصيب المجتمع فيك، ولا انطباعات الآخرين عنك. ابحث عن ذاتك في تفاصيل حياتك، ولا تضيع عمرك في محاكاة الآخرين .. فتكون لا أنت الذي عشت الحياة التي تريد، ولا هم رأوا فيك الحياة التي يعيشون.

One Response

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form