للذكريات طعم ورائحة

🕓 وقت القراءة: 4 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتبت/ نور أسبير

للذكريات طعم ورائحة

لم أولد في مدينة عظيمة، ولم تكن مدينتي تتصدر الخرائط أو تتباهى بناطحات السحاب. كانت مدينة ريفية صغيرة، متواضعة، حتى إن الغريب قد يمر بها دون أن يلتفت إليها. لكنها بالنسبة لي… كانت الكون كله.

هناك.. كانت الأرض تعرف أسماء أصحابها، وكانت الأشجار تكبر مع الأطفال، وكان النهر يمر بين البيوت كأنه شريان يمد الحياة في عروق المدينة. في الشتاء كان يفيض، فيغسل ضفتيه، ويترك خلفه خيرًا يكفي الجميع. وكان الفلاحون يزرعون الأرض بأيديهم المتعبة، ثم يجلسون آخر النهار حول موائد صنعتها خيرات حقولهم، وكأن الله كان يوزع رزقه عليهم مباشرة من قلب التراب.

لم نكن نسأل بعضنا: من أي دين أنت؟ أو إلى أي طائفة تنتمي؟ كنا ننتمي جميعًا إلى شيء واحد “إلى الإنسانية” التي لم تكن تحتاج إلى أسماء. كنا جيرانًا قبل أن نكون أي شيء آخر، وكانت المحبة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.

أما بيتنا فلا أذكر مساحته بقدر ما أذكر دفأه.

كان بيتًا كبيرًا، لكنه لم يكن كبيرًا بجدرانه، بل بمن عاشوا فيه. كانت الضحكات تملأ أركانه أكثر مما يملؤه الأثاث، وكانت رائحة الخبز والقهوة تمتزج بأصوات أمي وهي تنادينا، وبخطوات أبي التي كانت تمنحنا شعورًا لا يوصف بالأمان.

كنا نجلس حول مائدة واحدة، لا لأن الطعام كان كثيرًا، بل لأن المحبة كانت تكفي الجميع. نتقاسم اللقمة كما نتقاسم الحكايات، ونضحك حتى تدمع عيوننا من الفرح، دون أن نعرف أن تلك الأيام كانت تمر للمرة الأخيرة.

وفي المساء.. كان للعائلة طقسها المقدس.

نجتمع جميعًا أمام التلفاز، نحن الأطفال، وأبي، وأمي. لم يكن أحد يرى في ذلك مضيعة للوقت، بل كان موعدًا يجمع القلوب. وما إن تبدأ شارة “قصص الشعوب” أو “صاحب الظل الطويل”، حتى يسكت البيت كله، وكأن العالم توقف قليلًا ليمنحنا لحظة من السعادة الخالصة.

لم نكن نعلم أننا نصنع ذكريات ستبقى حيّة أكثر من أصحابها.

ثم مر الزمن.. وما أقسى الزمن حين يقرر أن يأخذ كل شيء دفعة واحدة.

كبرنا.. أو ربما هرمت الحياة قبلنا.

تغيرت المدينة التي كانت تشبه الحلم. خفتت ألوانها، وصارت الحقول أقل خضرة، والنهر الذي كان يغني للبيوت صار صامتًا أكثر مما ينبغي. الوجوه التي كانت تملأ الأزقة اختفت، والأبواب التي كانت مفتوحة للجميع أغلقت بصمت.

أما البيت.. فبقي واقفًا، لكنه لم يعد بيتًا كما كان.

فالبيوت لا تموت عندما تتشقق جدرانها، بل عندما يغادرها أهلها.

ورحل الذين كانوا أعمدته.. رحلوا تاركين خلفهم كراسي فارغة، وصورًا معلقة، وأحاديث مبتورة، وحنينًا لا يجد سبيلًا إلى الراحة.

تبعثرت العائلة، وصار كل واحد يحمل وطنه الصغير في حقيبة سفر، يبحث عن حياة جديدة، بينما كانت الحياة القديمة تلوح لهم من بعيد، كأم تقف على باب بيتها، تنتظر أبناءها الذين تعرف أنهم لن يعودوا كما كانوا.

ومنذ ذلك اليوم…

أصبحت أفهم معنى الذكريات.

ليست الذكريات صورًا نحتفظ بها في الهواتف، ولا حكايات نرويها في المناسبات.

الذكريات أرواح.

لها رائحة الخبز الذي كانت تخبزه أمي، ورائحة التراب بعد أول مطر، وصوت النهر وهو يهمس للأرض، ولحن شارة كرتون قديم يعيد طفلًا مات منذ سنوات… ثم يختفي من جديد.

للذكريات طعم غريب..

حلو لأنها كانت أجمل ما عشنا، ومر لأنها لن تعود أبدًا.

وأدركت أخيرًا أن الإنسان لا يبكي لأنه فقد بيتًا، ولا لأنه غادر مدينة.

إنه يبكي لأنه، في مكان ما من هذا العالم، ترك نسخة بريئة من نفسه تركض في الأزقة، وتضحك دون خوف، وتؤمن أن الأحبة لا يرحلون، وأن الأمهات لا يشخن، وأن الآباء يبقون إلى الأبد، وأن الأوطان لا تتغير.

لكن الزمن..كان يبتسم في صمت، لأنه يعرف الحقيقة قبلنا.

واليوم، كلما أغمضت عيني، أعود إلى هناك.

أمشي في الطرقات نفسها، ألمس الجدران نفسها، أسمع صوت أمي تناديني، وأرى أبي يبتسم، وأشعر أن كل من رحل ما زال ينتظرني.

ثم أفتح عيني..

فأجد أنني لم أعد في تلك المدينة، وأن المدينة نفسها لم تعد كما كانت.

وأفهم، بعد عمرٍ كامل، أن بعض الأوطان لا تغادرها أقدامنا فقط. إذ تغادرها الأيام أيضًا.

لكنها تظل تعيش فينا، في نبضة قلب، وفي دمعة مفاجئة، وفي رائحة عابرة، وفي لحن قديم، حتى آخر العمر.

ولهذا.. كلما سألني أحدهم: أين وطنك؟

لا أجيب باسم مدينة.

بل أجيب: وطني هو ذلك الزمن الذي لم يعد موجودًا… وما زلت أعيش فيه كل ليلة، عندما أغمض عيني

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form