قاتلة الذئاب

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

علمتني يا أبي كيف أطارِد الثعلب وكيف أنصب الفخ مدافعة عن قنّ الدجاج

علمتني أن أختفي ثعلبة بيضاء لا تشمني الثعالب ولا ترقبني عيونها

لكنّك لم تعلمني لغة الذئب ووجهه الآخر وانقضاضه الخفي

قلت لي: الثعلب ماكر وغفلت عن الذئب

أم ظننت أن ابنتك لن تدرك يوما أن أرض الناس لا تعرف الوفاء

علمتني الحرب بكرامة والمواجهة بناموس الصحراء

ولكن قوانين البشر كشفت غير ذلك طعنا في الظهر وابتسامة سُمّها الانقضاض

فماذا تبقى لي!

فعلْتُها يا أبي وصرت ذئبة

أصطاد الذئاب والثعالب ونبتت لي الأنياب

لم أكن أعلم أن في عروقي دماء صياد ولا أنني من سلالة المهرة من يقتنصون ولا يلتفتون

كانت الدماء الزرقاء راكدة وفراء الذئبة لم يصل جلدي بعد

كنت طفلة وادعة أحتاج إلى من يهدهدني وأرى العالم بعين حالمة

أركض وراءك يا أبي في الفيافي نلمح ثعلبا فتسكتني بصوت هامس هس

نخطو ببطء تقود أنت وأنا أمسك طرف جلبابك

تتلبسنا روح الصياد لنصير للحظة حراس انتظار صيد سنظفر به

لماذا الثعالب يا أبي

أسأل بقلب طفلة تخشى الإجابة

فتبتسم يا أبي وتهز رأسك

الثعالب يا ابنتي ماكرة

تؤرق نوم أمك بالليل تجعلها تدور في الدار كأنها لبؤة وحيدة تخشى على دجاجاتها من مكر الثعالب ترهف السمع لأي صياح مفاجئ وتفزع كأن الريش الناعم سينتزع في لحظة غدر

فأعاود السؤال وأنا مدهوشة محجوبة الرؤية

وما بال الثعالب ماكرة يا أبي

فتردّ بصوت هادئ كأنك تحدثني عن ناموس قديم

ذلك نهجها ونبراسها مذ خلقت أودع الله فيها الحيلة لتسعى وتعيش

وهكذا يا ابنتي كما جعل للثعالب مكرها جعلت فينا دماء زرقاء دماء الصيادين

لكن يا أبي لدي ما أقوله لك

البرية مظلومة ففطرة الخير فيها كالرياح تسري بردا بين الأعشاب والرمال

الثعالب هناك ماكرة والسباع جائعة أعداء صريحة واضحة الهوى لكن ذئاب البشر أشرس

أرض البشر مجرمة تدليس خداع وهم

هل أحكي لك عن الذئب

أم تعرفه مسبقا خبأته في ظلك لتثير الدماء الراكدة في عروقي وتجلب روح الصيادة الجوالة

هل كان فخا ليرشدني إلى نجمي الساطع

هل قرأت الطالع ومسحت آثاره قبل أن أصل

أعلم الآن أنك كنت تعلم

الألواح كانت واضحة ولكن خيال الطفلة الساذج لم يفقه

هززت رأسك وقلت مهلا أو هيّن لا أتذكر

لم تلحّ على ذاكرتي ولم تنقشها في الوصايا

وتركتني للرياح وللذئب كي أختبر دروسي في صمت الترقب وأتلمس خطواتي في عتمة الفوضى

ويا للهول تعلمت

عاد الشريط دفعة واحدة كل خطوة كل نفس كل نظرة

أتذكر حين رسمت دائرة كبيرة في الخلاء تحفنا أنا وأنت

قلت لي

ابنتي لقد ورثت العهد!

سيلفك شياطين البشر والجن وستقارعك الذئاب لتعلمي أن المواجهة جزء من ذاتك وأن الخطر مرآة للروح

وأشهدك يا أبي يا بويه يا بَاتي أني تعلمت الدرس

وضعت أصابع يدك اليمنى على قلبي وهمست بسم الله على قلب ابنتي بسم الله على روحها

ثم تمتمت بصوت متهدج كأنما يخرج من أعماق الصحراء

أمامك ثلاث خطوات لتحفريها في قلب الذئب قبل أن تقتلعينه بمخالبك

ارتجّ جسدك للحظة كأن الأرض اهتزت تحت قدميك ثم هدأ تدريجيا

فتحت عينيك الرماديتين ضاحكا مطمئنا على الطفلة بين ذراعيك

مسحت شعري برفق ثم ناديتني باسم لم أعرفه من قبل ولم أتذكره إلا الآن همست مرحى يا قاتلة الذئاب

قلت لك أخاف اللون الأسود أخاف الذئب

انفرجت ملامحك عن ضحكة هادئة كنسيم الليل وقلت لي

من قال إن الذئب فروه أسود فقط ويعوي

ثم رددت كلمات لم أفهمها وقتها

العينان ذئب مفترس

الفراء جلد بشري

والحياة مساراتها شتى

والخيار شئت أم أبيت ليس لك

يا ابنتي كل خطوة كل ظل كل صوت سيعلمك كيف تصطادين وكيف تصبحين ذئبة

ثم نفخت في وجهي ريحا ساخنا فنسيت.

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form