على مقهى الملوخيّة ..أمهات يكتبن واقفات

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

إخلاء مسؤولية: مقهى الملوخية فكرة ولدت من مزاج خرب عام 2022.

أظنني في حالة مخاض عصيبة أمرّ بها. قررت قبل فترة، ودون وعي كامل، أنا المتحدثة، أن أصبح كاتبة، ولم تتضح بعد ملامح الشخصية التي أريد أن أكونها. هكذا تبدأ حكاية الأم الكاتبة مع رغبتها في الكتابة، وسط حياة يومية لا تهدأ.

لحظة…

ظننت أنني أعكف على الكتابة، أوطّن لها روتينا قسرًا بين مهام الأم التي تسمح بكل شيء وتؤجل الكتابة. ثم اكتشفت أن الملكة شاردة، والرب يحرسها.

ظننت أيضا أن القراءة ستفكك كوارثي وتمنحني مفاتيح التعامل معها، لم يحدث ذلك. في ذاكرتنا الجمعية أقوال مأثورة حفرت مكانها عن جدارة، فأتفوّه بها بثقة المبصر. زممتُ شفتي فترة، ثم نطقت الكلمتين على مهل، بكل بلاهة، وأنا أسند جذعي على الغسالة في المطبخ، أفكر في الغسيل، وكنادير زوجي، وترتيب المكان، وغسل حقيبة الأكل المدرسية، وقلي قطع الناجتس لأطفالي، أفقت من غيبوبة الفكرة وأنا أردد:

“الجهل نعمة”.

عندما تحضر الغزالة _وتحضر غالبًا في توقيت غير مناسب_ أتحول إلى ممسوسة.

مثلا في غرفة الولادة طلبتُ قلمًا وورقة، حدّقت بي الممرضة باستغراب، وقالت بلهجتها: “ماما، أنت يريد راحة”. صححتُ لها: “يجب أن ترتاحي” ضحكت، ولم تهتم بفزلكتي، ألححتُ عليها: “ماجندا”  شيطان الكتابة حضر، ناولتني ورقة صغيرة وقلماً، فاضطررتُ أن أكمل على الهاتف.

ترفض ذاكرتي نسيان تلك الرغبة المسعورة، كنت أتلوّى على أرضية الحمّام، في اللحظة التي فقدت فيها جنيني الثاني، الكلمات كانت تسبّب مغصًا أشد من النزيف، كأنه تحوّل إلى نزف لغوي  يطلب الرأفة.

وفي مرة أخرى، في السيارة ونحن متجهون إلى رأس الخيمة، راودتني الرغبة ذاتها، أردتُ التوقف على جانب الطريق، أن أكتب فقط، أن أستسلم لذلك الاحتراق في رأسي.

حين أعود إلى الواقع، أجد نفسي أرغب في فقء عينه.

 أسابق الزمن لأكتب، وأقاوم التقهقر اليومي للرغبة، التفاصيل تُفرم في خلاط الروتين، وتتكسّر في مرايا أرواح متعبة، فيتحول التخلي إلى عبء ومنقذ في الوقت ذاته.

أعرف أن أفكاري مشتتة، لا أكبّ الفكرة مرة واحدة، أعيدها مرات ومرات حتى تتمرّغ في الركاكة.

ذاكرتي ملتهبة، وجسدي هزيل، يتأرجح بين الكآبة والغُمّة. غثيان يتسرّب من حياة روتينية تفلت من بين الأصابع، وتعود كمرض سائل قابل للتدوير.

لجأت مؤخرًا إلى حيلة قد تنقذني: الانتباه للتفاصيل.

ألتقط الجوارب السوداء وألبسها لابنتي ذات التسعة أعوام، وأوجّه ابني الأصغر ليعتمد على نفسه، حتى يراوغ الاتكالية ويتجنبها، أريده أن يكسر الحلقة، أن يرى أمّه إنسانة كاملة، لها حقوق ورغبات وأحلام، تحتاج إلى فسحة تستعيد فيها اتزانها لتكمل يومها.

لكن لحظة…

هم ذهبوا، وهي بقيت.

هم التقوا، وهي تجمدت في مكانها مع هاتف، تنتظر انتهاء الدوام لتستقبلهم.

ويبقى العزاء في مقهى الملوخية.

هذا المكان المتخيل الذي أعود إليه كلما ضاق الواقع. أراني أجلس فيه مع بكرج قهوة قبل أن تفور،  ورائحة الملوخية تفوح وهي تُسكب في طشتها، وأطلبها بجانب فنجان قهوة سادة. لحظتها فقط أستعيد/ تستعيد الأم الكاتبة رغبتها في الكتابة دون اعتذار.

وفي ليل الأم الكاتبة، تحتضن ابنها وتربّت عليه، تحكي له قصة “امرأة رغبت في المزيد”.

ومن سيارة عابرة، تنساب أغنية لمطربة مجهولة، كأنها رسالة موجهة لها وحدها لتغني:

“مشاكل اليوم ما بدها حل امبارح”.

2 Responses

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form