“نص عن مقدار ما يتسرّب إلى الداخل، حتى حين يبدو كل شيء في السماء مُطَمْئناً.”
هذه الرسالة موجهة من …..،
التي لم ترَ الشمس منذ ……
من يجدهاسيعرف ماذا يفعل.
شاشة هاتفي على وشك الانهيار تحت وطأة الإشعارات، أصدقاء قرروا التعامل مع “الموقف اكس” _بمعنى آخر “حرب إيران على دول الخليج”_ عبر إرسال فيديوهات قصيرة، تفيض بالكوميديا وتكرار الفكرة قصّا ولصقاً كل حسب جمهوره لحصد التفاعل والأرقام المليونية، تلك الفيديوهات تُقلّل من شأن ما يحدث في السماء، كأنه تمرين خفيف على الخوف.
دعني استعير اللغة الآنية، بين قوسين “لغة الحرب” وأقول: “على صعيدٍ آخر تلك الحرب أرض خصبة لأطباء التواصل الاجتماعي وأصحاب التاروت والأبراج”، من ضمنها مقطع لطبيب نفسي يشرح بثقة أن الشخص الذي يتعامل مع الأحداث الراهنة بهدوء وثبات هو شخص لديه نوع من اللامبالاة والاحتراق النفسي الداخلي، وضغوط نفسية مستمرة وأن من يضحك الآن عليه أن يطلب المساعدة فوراً.
راقبتُ حركات صاحب الفيديو/ رأسه الذي لا يهدأ عن الحركة وتململه في الجلسة فكتبت لصديقتي التي أرسلت الفيديو على الفور: هذا الطبيب يعاني من ألم نفسي شديد وعليه أن يتعالج أولاً.
شعري منكوش لم تمرّ فيه أسنان مشط منذ ثلاثة أيام، عيناي بلا كحل، تردّان على مكالمات الفيديو بدلاً عني قلت: أنا بخير. ضحكة استعرتها من جيب كنزتي كانت بمقاس أكبر من وجهي، فبان ترّهلها على ملامحي.
بالطبع أرفض الخطة B و C لا أريد السفر الله معكم، تَكتبْ لي إحدى الصديقات من أهل البلد “أصيلة يا … بنت الأصول” جاوبتها على الفور إثر نشر أدعية بالأمن والأمان: هذه بلدي، قضيتُ فيها نصف عمري بالتمام والكمال، لن أتزحزح.
انتهى النقاش.
اليوم أصوم عن الضحك والكلام، نذر صامت لا أعرف كنهه، هل اخترته من درج قراراتي اليومية لأنه المتاح؟ المسافات بين أفراد عائلتي بعيدة، لذلك غرفتي أولى بي.
اشتريت ملابس العيد لأطفالي، المنزل كما هو، تنازلت عن حفلة التنظيف والمياه المهدرة، وسؤال بروزته على الحائط المتخيل في عقلي: من سيأتي؟ لا أحد، لن أتعب نفسي.
ارتديتُ ملابس اشتريتها منذ فترة ونسيت أمرها، وأخذتُ عيديتي مضاف إليها قُبْلة على الرأس، طقس أحافظ عليه، لأثبت لنفسي أن الاستمرار بحد ذاته إنجاز.
حائط واقعي لغرفتي فارغ أحدّق فيه طويلا، ومعدتي فارغة تنصت لصوتها، لا أستطيع ملء فراغ الحائط، ولا إقناع معدتي أن الرنجة التي التهمتها كانت فكرة سيئة في يوم العيد، معدتي أعلنت التمرد وأنا التزمت الصمت.
نكسيوم وسكوبينال كانا رفيقيّ طوال أيام العيد، القهوة غابت، جدار المعدة لم يعد يحتمل.
أطفأت الواتساب، خرجت من مجموعات الأصدقاء، إلحاحهم أن “الوضع كارثي” كان أعلى من قدرتي على احتمال زيفهم/غضبتُ، قلت لهم: ابتعدوا عن الشاشات، والقنوات الإخبارية تريد فقط مشاهدات والمصداقية مخطوفة ومغلق عليها في كهف مهجور، وانقسام شاشة الأخبار لستة أو ثمانية شاشات لم أعد أصدقه، الأوضاع بخير، نحن بخير.
توقفت عن القراءة، غير مجدية بالنسبة لي، أو كما يقول المتحذلقون: “حل غير ناجع”، فلا قراءة تُنقذني، ولا كتابة تُخفف هذا الشعور.
توقفت عن المشي، ونسيت شكل باب البيت، سيارتي يغطيها الغبار، في تحالف ضمني ورسالة شفهية منها معلقة في الهواء “انتظرك”.




