ظلال الناجي: خمس سنوات من الهروب إلى الكتابة

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتب / محمد ناجي

حين يسألني أحد عن روتين الكتابة، أتردد قليلًا قبل أن أجيب. لأن الحقيقة أن الكتابة لم تكن يومًا روتينًا واضحًا أو جدولًا ثابتًا، بل علاقة طويلة ومعقدة مع فكرة لا تتركني وشأني.

ظلال الناجي أخذت مني خمس سنوات كاملة. خمس سنوات شعرت فيها أن الرواية تلاحقني أكثر مما ألاحقها. أهرب منها أحيانًا، وأعود لأواجهها أحيانًا أخرى. كانت فكرة تمشي خلفي أينما ذهبت، كظل لا يغادر صاحبه. وأظن أن كل من يكتب يعرف هذا الشعور: أن هناك حكاية في داخلك تنتظر وقتها، وتظل تضغط عليك بصمت حتى تقرر مواجهتها. أصعب مواجهة في الكتابة ليست مع الفكرة ولا مع اللغة، بل مع الورقة البيضاء. تلك اللحظة التي تجلس فيها أمام صفحة فارغة، وتدرك أنك مطالب بأن تبدأ من لا شيء: لا أحداث جاهزة، ولا طريق واضح، فقط بياض واسع عليك أن تعبره خطوة خطوة. كانت علاقتي بالرواية متقلبة. أحيانًا أشعر أنها تحبني وأنا أكرهها، وأحيانًا يحدث العكس. تمسكني وأنا أحاول الإفلات، فأفلت قليلًا ثم تعود وتمسكني من جديد. أكتب صفحات ثم أمزقها، أكتب جملة ثم أمسحها، أترك النص أيامًا أو أسابيع، ثم أعود إليه كأنني أعود إلى مكان تركته مفتوحًا. كانت هناك ليالٍ أكتب فيها بحماس، كأن الحكاية كلها تريد أن تخرج دفعة واحدة، وليالٍ أخرى أجلس فيها ساعات أمام الصفحة ولا أكتب سوى سطر واحد. أكتب أحيانًا ثم أتوقف فجأة، وأحيانًا أكتب وأنا مثقل بشيء لا أعرف كيف أصفه. لأن الكتابة، في النهاية، ليست فقط حكاية نرويها، بل مواجهة مع ما في داخلنا. أكتب غالبًا في الليل، لا لأن الليل شاعري كما يُقال، بل لأن الضجيج يقل. في الليل يتراجع العالم قليلًا إلى الخلف، وتعلو الذاكرة. عندها تظهر التفاصيل الصغيرة، تلك التي تمر في النهار دون أن ننتبه لها.

لهذا أؤمن بجملة أرددها دائمًا: كل إنسان هو مسلسل يمشي على الأرض. حياة كاملة من المشاهد والذكريات والانكسارات والأفراح تمشي أمامك كل يوم؛ في الشارع، في العمل، في البيت. الفرق فقط أن بعض هذه الحكايات تُروى، وبعضها يبقى صامتًا داخل أصحابها. خلال كتابة الرواية، كنت أفكر كثيرًا في الذاكرة. في فكرة أن الإنسان قد ينجو من أشياء كثيرة، لكنه لا ينجو من أثرها داخله. وربما لهذا جاء اسم الرواية: ظلال الناجي. لأن النجاة لا تعني النهاية، بل قد تكون بداية حكاية أخرى. مع الوقت فهمت أن الكتابة ليست فقط ما نكتبه على الورق، بل ما يحدث لنا ونحن نكتبه. حين تقضي سنوات مع فكرة واحدة، تبدأ برؤية العالم بطريقة مختلفة. تصبح أكثر انتباهًا للتفاصيل الصغيرة، لتلك اللحظات العادية التي تحمل داخلها حكايات كاملة. في النهاية، لم تكن ظلال الناجي مجرد رواية، بل رحلة بين الهروب والمواجهة. أكتب ثم أمزق، أكتب ثم أمسح، أترك النص ثم أعود إليه. كأن بيني وبين الرواية حبلًا خفيًا؛ كلما ظننت أنني أفلتُّ منه، اكتشفت أنه ما زال يمسك بي. وربما هذا هو السبب الحقيقي للكتابة: ليس لأننا نملك الإجابات، بل لأن هناك أسئلة في داخلنا لا تتوقف عن المطاردة حتى نمنحها مكانًا على الورق.

ظلال الناجي: تأليف محمد ناجي

“أنا لا أطرقُ الأبواب كالنبلاء؛ أنا أدخلُ من أنفاسك، حين لا تنتبه أن صدرك بدأ يضيق، لا اسمَ لي ولا وجه.

أحيانًا أجيءُ كضيق نفسٍ يقطع الهواء، وأحيانًا كعينٍ تُحدّثُ الروح دون أن تدمع، وأحيانًا ككلمةٍ قديمةٍ قيلت في غيابك، نسيتها لكنها لم تنسَك.

أنام فيك كما ينام الحصى في كعب الحذاء، لا يؤلمك إلا حين تمشي بعيدًا، تنساني، حتى تتعثر

بنفسك”.

ثم توقّف الصوت، وكأنه يبتسم في الظلام، قبل أن يهمس من جديد:

“أنا المؤلِف وأنت؟ سطرٌ مخبّأ تحت النهاية”.

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form