عودة متأخرة

🕓 وقت القراءة: 4 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتب/ يوسف الناصري
عودة متأخرة: حكاية الذاكرة والحنين والغياب

رجعتُ إلى البلاد التي تركتُها صغيرًا، والنخلات حينها حبلى بالرُّطب. رجعتُ إلى الأرض التي كانت السواقي ترضعها حدَّ الارتواء، وشقائق النعمان تناجي فيها السنابل المثقلة بالحب. هاجرتُ والرفاق يلعبون الغميضة، ويصنعون اللعب بعلب الزيت وأحذية الأمهات المرقعة. تركتها والمنازل عوامر، مشرعة الأبواب في وجه القريب والغريب، والطرق مغبرة يذرعها الرعاة العائدون في المساء، مختفين وسط سحب الغبار التي تنثرها البقرات السمان وقطعان الغنم المتخمة بالكلأ. تركتها والليالي سمرٌ حول النار، وهواء مفعم بعطر مسك الليل وحناء الحقول البعيدة، وسيل الحكايات القديمة لا ينتهي إلا ليبدأ في نفس المكان ونفس الزمان. تركتُ البلدة وصورة الأطفال ماثلة أمام عيني، يقبلون الأيادي المرتجفة للعجائز الجالسات أمام الأبواب الخشبية، يخطون على الوحل مربعات الحجلة، وعلى حيطان البساتين دلائل الشغب والجرائم الطفولية الصغيرة، يسرقون حبات المشمش قبل أن تصير ذهبية، ويخططون لغارة أخرى على الرمان والتمر في الخريف المقبل، فيما المدارس تبعث في المدى البعيد أناشيد المجد الغابر وأصوات المعلمين الجهورية الحاملة لكل ذاك الحضور المهيب.

صدمة العودة بعد الغياب

الآن أعود إليها، فأجد الغابة الممتدة حد البصر، والتي كانت تخفي بين متاهاتها كل حكايا الفرح، غدت أعجاز نخل خاوية، وألفي الأبواب صدئة، والأقفال التي لم تُفتح منذ الرحيل الأخير تنبئ عن النهايات المبهمة. صرت أتنقل بين الأزقة الملتوية وبين الأسئلة الحارقة، كهارب في حقل ألغام: أين فلان؟ رحل! إلى المدن البعيدة أم إلى دار البقاء؟ أين الشيوخ الذين يسندون حيطان السوق القديم ليودعوا آخر أيام الشتاء وساعات العمر؟ أين الحسناوات المتخفيات وراء شبابيك الخجل؟ اللواتي انتظرن فرسانًا لا يأتون، ولما طال الغياب والشوق، قررن أن يضعن حدًا للحلم الجميل باستفاقة متأخرة. أين صور الخضار والجزار والقناص التي كانت تحرس مقاعدنا في حجرة الدرس؟ ما لي لا أسمع الأغاني الصباحية القديمة المنبعثة من مذياع “الكتبية” قبيل وجبة الفطور؟ ضاعت الأغاني بين نوافل الكلام وضجيج التافهين… أين أشجار اللوز وكروم العنب، إذ يتعانقان ويطلان بخجل من البساتين الخضراء؟ شاخت وصارت حطبًا لأفران الخبز الطري… أين النخلة التي كنا نتسابق إليها بعيد الخروج من المدرسة لنجني أولى التمرات في الخريف؟ اجتُثت ليمر طريق آخر إلى اللامكان وإلى حي إسمنتي جديد… أين الجدات اللواتي يتسامرن أمام الأبواب وينتظرن الأبناء المتفرقين في أرض الله… مللن من الانتظار ورحلن دون أن ينعمن بنظرة أخيرة. أين رفاق المدرسة وخلان الأزقة الضيقة؟ غزا الشيب ذوائبهم، والتجاعيد وجوههم، وصاروا مثقلين بالأعباء والأبناء…

تغير المكان والإنسان

ربع قرن، يا يوسف، نعم، ربع قرن، عمر آخر يا رجل! فلم كنت أول الغائبين وآخر العائدين؟ ولم عدت أصلًا بعدما جفت عيون البئر، وتوقف النهر عن الجريان؟ لِم عدت بعدما انمحت معالم الذكرى على الطرقات ودرست الأطلال، فصارت أكوامًا من التراب تسد مداخل الدروب العتيقة؟ كيف استدارت بوصلة العمر الهارب إلى نقطة البدايات؟ ولماذا قررت في لحظة سأم أن تعود كالسلمون إلى أصلك؟ هل عدت لترمم البيت القديم؟ هل عدت لتمسح عن الجدران خيوط الدمع التي خطها المطر وأنت في المدن البعيدة؟ هل عدت لتعيش نفس التجارب وتضحك نفس الضحكات وتلاقي نفس الوجوه المرسومة بالشوق والفرح في الذاكرة؟ هل عدت لتعانق نفسك التي أضعتها وأنت هارب منها لأجلها؟ هل رجعت لتحيي الطفل الذي مات فيك، أم عدت لترمم شظايا الذاكرة وشقوق الروح؟

الحنين إلى الماضي: هل يكفي للعودة؟

سترمم البيت، نعم، ستغير الأقفال وتعيد للجدران المنقوشة بهاءها، ستجعل في البهو سجادًا أطلسيًا ومساند صوفية، سترتب الكؤوس البلورية على “الصينية” النحاسية، وستغلي الماء على نار هادئة، ستعد للضيوف المفترضين متكأ، وتطل على الساحة الواسعة لتستعيد الذكريات المنهالة كسيل عليك. سترمم كل شيء، لكن كسور الروح لا ترممها العودة إلى الأماكن المهجورة، وشظايا الذاكرة المتعبة لا تلتئم بالخطوات التي تعاند عقارب الزمن. ستنتظر طويلًا من يدق الباب، سترسم ألف صورة وردية عن لحظة اللقاء، لكنك ستتذكر أن من سميتهم أصدقاء مجرد أسماء مجردة ورفاق متعبين ترجلوا من رحلة الصداقة ومن قطار المسافات الطويلة. ألم تفقدهم واحدًا واحدًا في دروب الحياة، بين خائن ترك جرحًا غائرًا لا يندمل في قلبك ودرسًا قاسيًا في كراسة أيامك، وتافه تأمل عواصف البحر فغادر السفينة وتركك وحيدًا على رصيف المرفأ، وشهيد أهلت عليه التراب، ودرس قبره في بقعة منسية؟ الأصدقاء الحقيقيون طيبون، ومن فرط طيبتهم لا يتحملون بشاعة العالم فيموتون مبكرًا… ستغرس فسائل الورد الجوري، وستملأ الحوض المتاخم للبهو بالنعناع البلدي، لكن السماء لم تعد تمطر هناك كما عهدتها، والسحب مجرد أوهام عابرة… ستسمع: “أيها الطفل الكبير”، أبناء الجيران وأحفادهم ينادونك: “عمي”. لقد أصبحت عمًا وأنت تعتقد أن الطفل الذي كنته لم ولن يكبر؛ أنت الذي طالما هربت من المرايا، من ملامحك، من ندوبك، من تجاعيدك، ومن انكساراتك. حينها ستبحث عن تعاريف أخرى لشخصك، عن مبررات لهذا الصمت الذي ينوب عن الكلام في تعابيرك، وستتكئ على ما تبقى من كبريائك، لتحمل وطنك المفترض بين ضلوعك وتسافر من جديد، وتعود بلا التفات إلى الماضي، دون أن تلتقط صورًا للأرض الجافة العارية، دون أن تكتب قصائد جديدة تنكأ الجراح ولا أغاني تعيدك قسرًا إلى نقطة البدايات

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form