
في غزل أمي التي أحبتنا حبًا غريبًا
في حفل تأبين أحد أساتذتنا وقفنا نعدد محاسنه، فنصحنا أحد من يكبروننا سنًا: “قولوا لمن تحبونهم في حياتهم أنكم تحبونهم ولا تكتموا عنهم مشاعركم فلربما ساعدت هذه المشاعر في إطالة أعمارهم لحظة أو أضافت لهم دفئا يحتاجون إليه”.
أضاءت هذه النصيحة عتمة كانت في ذهني، وظلت عالقة في ذاكرتي حتى كتبت عن علاقتي بوالدي قبل يومين، واندهشت حين وجدت أني أكتب عمن رحل ولم أكتب عمن أستظل بظلها.
إذا كنت محظوظًا في هذه الدنيا بأبٍ حنون داعم متفهم، فأنا لست أقل حظًا إذ ربتني أم تجمع بين القوة والحزم من ناحية والحكمة والهدوء واتساع الصدر وسعة الحيلة من ناحية أخرى.
شربت أمي الحكمة وقيم الكبارة والكبرياء في بيت جدي شيخ البلد “الحاج أحمد معوض” ولم تشعر بغربة عندما انتقلت للعيش مع والدي في بيت جدي لأبي “الحاج عوض” كبير العائلة والبلد أيضًا.. قبل أن يستقلا ويبنيان معًا أسرتنا الدافئة.
في بيوت الكبار أنت تتلقى تعليمًا قد تظنه عاديًا ولكنك حين تتعامل في دروب الحياة تكتشف أن ما تشربته من قيم مختلف عن كثير مما تلقنه كثير من الناس.. كل موقف وكل تفصيلة تقول لك إن ما حصلت عليه لم يكن القاعدة بل الاستثناء.
في البداية كنت أندهش: لِمَ يمنحني الناس تقديرًا خاصًا وأنا لم أفعل شيئًا يستحق من وجهة نظري، ولكن بمرور الوقت أدركت أن الاحترام يُفرض لا يُمنح ويورث قبل أن يُكتسب.. وأن من يحترم نفسه أولًا يفرض احترامه على الجميع.
لم تتلق والدتي حظًا كبيرًا من التعليم النظامي في المدارس، ولو فعلت لما كان كرسي الوزارة كبيرًا عليها دون أدنى مبالغة.
أرضعتني أمي مع إخوتي “أصول” التعامل يوميًا وفي كل فرصة سنحت لها ولم تبخل علينا بأي توجيه.
حين جئتها ضاحكًا وانا ابن ثلاثة أو أربعة أعوام أروي لها كيف كان منظر الرجل مضحكًا وهو يسقط من فوق حماره لم تجاريني في الضحك وإنما قالت “لو كان والدك هو من سقط كيف كنت ستتصرف؟”
قلت : كنت سأجري فورًا لأساعده
قالت: هكذا يجب أن يكون رد فعلك دائمًا
صاغت أمي مع والدي اتفاقًا غير معلن لنا، وإن كان تطبيقه كشف لنا بعضًا من بنوده، لقد اتفقا على أن يختلفا فيما بينهما وألا يُظهرا أمامنا إلا الحب.
لم يكن أبي كبقية الصعايدة يخجل من أن يقول للرجال إن معه “مرد” مع أهل بيته.. الحقيقة أنه كان يستخدم هذا كورقة تفاوض ناجحة توفر له خروجًا سلسًا من الصفقة إن أراد وتمنحه فرصة للمراجعة والتفكير مرتين.
ظلت على الدوام بينهما لغة إشارة خاصة بهما وحدهما وإن تلصصنا كأبناء على بعضها واخترقنا عملية التشفير أحيانًا.
غزلت أمي من علاقات الأسرة نسيجًا محكمًا وضفرت خيوطه بدقة بالغة، مستغلة في ذلك كل موقف داخلي أو خارجي، بداية من تفصيلة صغيرة أثناء تجمعنا حول “الطبلية” وحتى في علاقتنا خارج المنزل.
قلت لها يومًا: “عندما تدافعين عن حقوق إخوتي البنات أمام أي طرف أشعر أني أمام “نوال السعداوي” وحين تتحدثين مع زوجات أشقائي لا أرى إلا أمًا صعيدية تدعم كل الأفكار الذكورية”.
ضحكت قائلة “سبحان الله.. مش ولادي وبحبكم؟!”
على مدار ١٥ سنة قضتها زوجة أخي الأكبر محمد في منزلنا لم يحدث أن تصاعد أي اختلاف بينهما مثلما يحدث اعتيادًا بين الزوجات و”الحموات”.
ساعد على ذلك شخصية زوجة أخي التي وجدت في والدتي أمًا جديدة فاقتربت منها بذكاء وأحبتها، واعتبرتها هي بنتها الثالثة.. وهكذا تفعل مع زوجة شقيقي الأصغر “أحمد”.
دافعت أمي عن “عشها” بكل ما أوتيت من حكمة وصبر ودهاء، وحوطت على صغارها بغريزة قلما تجدها في أنثى بهذا الوضوح.
يغلب الخوف الحب في قلوب الأمهات فيجعلهن يرفضن أغلب درجات المغامرة، لكن أمي لم يدفعها خوفها علينا لتكسير مجاديفنا يومًا ولا تثبيط عزيمتنا بل أحيانًا أندهش من دفعها لنا في وقت يجدر بها أن تخاف، لكنها تريد أبناءها رجالًا ذوي قدرات مختلفة.
حين تضحك أمي تتهلل الدنيا، وحين تغضب تصبح الكراسي والأسِرّة في المنزل غير مريحة.. ولكن الحضور الهادئ هو القاعدة بالنسبة لها لا الاستثناء.
أقول لها دائمًا أنت “عمود خيمة” الأسرة ورابط وحدتها، وترد كما الحاجة “فاطمة تعلبة”: “مش عايزة من الدنيا حاجة غير إني أشوفكم سعدا وقلبكم على قلب بعض”.
أعلم مسبقًا ماذا ستطلب مني عندما تصلها هذه الكلمات، وأقول لها مثلما أقول دائمًا: دعيني أنفذ طلباتك على النحو الذي يريحني ويرضيكي عني.



