من مطبخ التايتنك

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتبت- سوار الصبيحي

من مطبخ التايتنك “غرق التايتنك كان معجزة الكركند في مطبخ السفينة.”

داهمتني هذه الجملة يوما، وتركتها تتجوّل في رأسي مثل نكتة تبحث قسرا عن معناها المتأخر في رأس شاعرٍ مترف.

ففي الوقت الذي كان الجميع يتخبط فزعا من الهلاك، كان على أحدهم أن يهمس في أذن الكركند داخل القِدر: الحمدلله عالسلامة!

وهكذا تلبّستني لأول مرة فكرة أن العالم لا يتحرك بالضرورة بالحقائق وحدها.. ولا بالدعاء وحده، بل بالمنظور أيضا!

في ساعة واحدة، ننهار لذات السبب الذي يجعل غيرنا يتنفس بارتياح. حا دث السير الذي تسببتَ فيه صباحا، قد يكون يوم عمل هانئ لكائن آخر أرحته من خلقة مديره لساعات، ومقدمة سيارتك التي تهشمت فيه، قد تكون أول مرة يعود فيها ميكانيكي إلى بيته مبتسمًا منذ أسابيع.

وقد يكون انقطاع الكهرباء الذي جعلك تلعن الحظ، هو اللحظة الوحيدة التي جلس فيها أهل بيت كامل معا دون شاشات، كأنهم عائلة بالصدفة.

إلى آخره من اسطوانات (مصائب قوم عند قوم فوائد) التي أعرف جيدا كم أنها مشروخة، لكنها لا تعنيني كثيرا هنا. ما يعنيني أكثر هو ال”زووم” على رد الفعل بعد نداء الغريزة. تلك اللحظة التي يبرد فيها الحدث بما يكفي لنقترب منه دون أن نحترق. بإعادة تشغيل المشهد لاحقا، والنظر إليه عبر كاميرا علوية، غالبا ستفقد الكثير من المشاعر وزنها لتبدو، من تلك المسافة، كأنها نوبة هلع تخص شخصا آخر.

منذ ذاك الحين، أصبحت هوايتي المفضلة أن أراقب تلك العصا السحرية التي تغيّر الأشياء بمجرّد أن نميل برؤوسنا قليلا؛ عصا موسى، بنسخة خيالية متواضعة، تُحول الساكن إلى زاحف، وتقلب الخطأ فضيلةً أحيانا..وتعيد تسمية الوحش فقط حتى نتمكن من النوم قربه.

يمكن بهذه العصا مثلا أن أقتنع بأن التاريخ وصل إلينا بلا أي تحريف، نظيفا شريفا مستقيما مثل قميص أبي صباح الجمعة.. وأستريح إلى الأبد. وأستطيع، بالسهولة ذاتها، أن أعيد تسمية الندوب حتى تبدو حكمة. فالإنسان، سيظل الكائن الوحيد الذي قد يخرج من الحريق حيّا، ثم يقضي عمره يهجس: لماذا احترقت؟

وبعد عدد كافٍ من محاولات التفسير، تبدأ القناعات والأوهام بالتشابه على نحوٍ مقلق. وربما لهذا تحديدا لا أثق كثيرا بالشعرة الفاصلة بينهما.

ما الفارق في النهاية؟

كيف هو شكل هذه الشعرة؟

المنطق؟ هو بحد ذاته بحاجة للفصل.

الدليل المادي؟ كان العشم.

حتى وعينا، غالبا، لا يضع يده في يد الحقيقة، بل في يد ما يطمئنه أكثر.

لربما تكون الشعرة الوحيدة بالنسبة لي، هي رغبتي في التصديق. ذلك المزاج الذي يجعلني أقول لنفسي: “أنا فاهمة، والدنيا ماشية صح”

مع أني- بينك وبينك- لا أعرف في معظم الأوقات كيف مشيت من غرفة النوم إلى المطبخ، لأعرف كيف تمشي الدنيا.

كل شيء عندي بالأساس قابل في أي وقت لفتح ملف تحقيق، من المعطيات، إلى الذكريات، إلى تفسير جملة واحدة في فخذ نصٍ معقد.

وكل شيء في المقابل قد يصبح، لسبب أو لآخر، مطواعا لهز الرأس بلا سؤال. حتى لا أفقد نكهة الطمأنينة.

فالطمأنينة، في نهاية الأمر، لم تكن يوما ابنة الحقيقة، بل ابنة التكرار.

الحقيقة المطلقة الوحيدة التي خرجت بها من المسألة بأكملها، هي أنّ الكركند قد نجا..

وأن غرق السفينة كان -في القاع- حدثا يستحق الاحتفاء! على الأقل من زاوية الضحية التي لم تُقدّم مع الزبدة والثوم في تلك الليلة.

أما نحن (بنو الوعي) فنغرق ونطفو في معظم الحالات، حسب الزاوية التي نرغب أن ننظر منها للأشياء، لا حسب ما يحدث فعلا.

..أو حسب موقعنا من النار.

فبالنهاية، أليس تاريخ البشرية مجرد روايات كتبها الناجون من قدور مختلفة؟

One Response

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form