متلازمة “الشوكة والسكّين”

🕓 وقت القراءة: 2 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتب عبده منصور

كانت تلك المرة الأولى لاستخدامهما.. لكنها اللحظة التي تعلّمتُ فيها أنني لستُ حرًّا في عفويّتي.

حفلُ عيد ميلاد لعائلة – يُفترض أنها من الأقارب – لم أكن أعرف أحداً من أفرادها.

ربما كانت الدعوة الأولى لأسرتنا البسيطة إلى حفل بمثل هذا الصخب غير المعتاد في بداية التسعينيات.. لا أنسى وجه أمّي الذي أشرقت قمحيّته سعادةً وفخراً، حين رأتنا أنا وإخوتي نُمسك بذلك السكّين في اليد اليمنى، وتلك الشوكة في اليسرى، ليبدأ كلٌّ منا رحلته في التهام قطعة “الجاتوه” الخاصة به.

في منزلنا، جلسنا نُخبر أمي كيف علّمتنا “نورا”، شقيقتنا الكبرى، استخدامهما، بعدما اعتدنا متابعة المشهد نفسه عبر شاشة تلفازنا الملوّن، ذي المؤخرة الخشبية الكبيرة، والتي كانت تمثّل في أذهاننا آنذاك “صندوق الدنيا” المكتظّ بكل ألوان البشر.

مرّت السنوات، وبقي السؤال نفسه: لماذا كنتُ مضطرّا لاستخدام “الشوكة والسكين” في بيت أقاربي؟

ولم أكن أعلم أنه سيصبح يوماً “معياراً” لعلاقاتي كلّها.

أنا ذلك الشخص الذي يخصّ القليل من الناس بصدقه واندفاعه، بضحكاته البلهاء، ودموعه أحياناً.

لكن حين تخذلني مواقفهم، أكتشف أن صدقي قد أُسيء فهمه، وأدرك أنني منحتهم ما لا يستحقّون..

أستدعي ذكرى قديمة، لأترك “طبلية أبي”، وأجلس إلى مائدة عيد الميلاد.. أحبس كلماتي العفوية، وأنتقي حروفي بعناية؛ فليس كلّ من يشاركني المائدة ذاتها يصحّ أن يرى يديّ خاليتين من “الشوكة والسكين”.

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form