
كلُّ الأماكنِ المألوفةِ غريبة
حتى بيتكِ، حتى جسدكِ.
يتماوج وجودكِ بين خاطرين كل صباح:
أنكِ أُمّ،
وأنكِ جسدٌ ثقيل
يفوحُ بروائحٍ عتيقة.
تتخلّين عن خاطرٍ ثالث:
أنكِ ابنةٌ،
كقضمةِ خبزٍ جافة،
لكنه يعود
كلما بلّله دعاءٌ
من مطرٍ حنون.
ماذا عن الأمهاتِ اللاتي لم يلدن؟
إنهنّ يجرحن وجودكِ بخجل،
وأنتِ تَسْكُبينَ على شعورِ الخسارةِ فيهنّ
احتمالَ الاشتعال.
لماذا تكتبين عن هذا؟
هل قرّرتِ أخيرًا مصاحبةَ خوفك؟
أخذَهُ في نزهةٍ
ليصبح أقلّ غربة؟
هل سيخافُ الرجال من نصٍ كهذا؟
عذبٌ، وديع،
لا أثرَ فيه لهم
إلا بقايا نُطفة.
الكتابةُ عن الأمومة
تشبه لمسَ الجمر
في لحظةِ برد.
الأمومةُ ليست جُرحًا.
إنها أروعُ ما يكون:
آية من آياته
اختيارٌ متردّد للفناء.
ربما هي لحظةُ موت
يخنعُ فيها الجسد ليمنح
الحياة لأجسادٍ أخرى تنبت منكِ.
هي ممارسةُ الجري
على خرائطَ يعرفها قلبكِ جيدًا.
أنتِ أُمّ،
ولا شيء يُغيّر هذه المعادلة.
قلبكِ
طائرٌ صغير،
يرتجفُ أحيانًا،
وفي رجفته
أغنيةٌ جائعة
لأفواهٍ تعرف طريقها إليكِ
وإن ضلّت.
لن تنامي نومًا كاملًا،
لن تموتي ميتةً حرّة.
ستبقين يقِظةً
في السماءِ البعيدة.
ربما…
هذه هي الأمومة:
أن تُبقِي عينيكِ مفتوحتين
حتى حين تُغمضينها،
لأجل من خرجوا من عينيكِ أولًا
كدمعةٍ وحيدة،
ثم صاروا عالمًا



