
حان الوقت أن تنظر في عيني وأنظر في عينيك مباشرة، لنقول كل الكلمات الدفينة، التي تؤلم القلب والخاصرة، وتتعب الفكر والذاكرة، آن الأوان لنعيد قراءة تعابير العيون التي لا تترجمها بصدق عبارات الغزل ولا قصائد العشق المجنونة. انظرْ إلى عيني، لكن، رجاءً، لا تقل عنها حوراء ولا دعجاء، فالعين التي تبكي لا يليق بها وصف آخر غير “العين الباكية”، والنظرات الشاحبة لا تليق بوصفها غير ريشة تنغمس في ألوان حائلة. حان الوقت لنجلس حول طاولة فارغة، بلا فنجان قهوة ولا ورد ولا ضوء خافت، فالضوء الخافت يخفي أشياء كثيرة، ليس أقلها هذا الحزن الممزوج بملح الشك والحيرة والارتياب. نحتاج ضوءا ساطعا كالحقيقة، لنقرأ بعمق وتروٍّ كل البنود الصغيرة التي يغطيها هذا العنوان الكبير المسمى “زواجا”. تلزمنا التفاتة أخرى إلى مؤشر البوصلة وإلى اتجاه الرياح، وصيانة دورية لهذا الشراع، فمسافة الإبحار أمامنا طويلة، وموج المحيط لا يرحم الغافلين وهواة الكلام حين تهب العاصفة.
اليومَ قررتُ أن نعيد ترتيب أحجار الشطرنج ونرصفها بطريقة عادلة، فقد بدأتُ لعبتي بلا جنود تحرس مملكتي، معتقدة-بغير قليل من السذاجة- أني رابحة معركتي في كل الأحوال، لأن خسارتي لكل جولة يقابلها ربحك لها. أحتاج في هذا اليوم -الذي اخترعه تجار الوهم ومسوقوه وسموه ” عيد الحب”، جردا لكل الكلمات التي يمكن أن تقع تحت حرف الحاء وتلك التي تبتدئ بالباء، وأحتاج أن تذكرني بما نسيت منها، فالعناوين خداعة والشيطان لم يبرح مكانه بين التفاصيل الصغيرة. دعنا نأخذ مكاننا لنعيد عقارب الساعة إلى لحظة اللقاء الأول، ونلملم شظايا القصة من بدايتها، لنعرف كم التهمت السنوات من أفراحنا، وكم أضاع سراج هذا الحب من وهج، دعنا نتذكر النظرة الخجلى والقصائد التي تحملنا معا إلى سماوات عُلى. لننظر إلى صورنا القديمة ونمعن النظر في كل لحظة وكل بسمة، ونتساءل بسخرية: أأنا تلك العابثة بضفائري كطفلة؟ أأنت الواقف هناك، بعنفوانك وحزمك ونظرتك الحانية أيضا، وهي تترجم كلاما تعجز عنه الشفاه المترددة!
شيء ما تغير فيك، في، أو فينا، ولا زلت تصر على نفس العبارات، شيء كالنشاز تسرب إلى لحن القلب وأربك نبضه المنتظم، لكنك لم توقف بعد عزفك على نفس القيثارة ونفس الوتر، خطأ ما في المسار لا تخطئه العين ولا يخفى على الفؤاد، لكننا لم نسترح قليلا ولم نعد النظر في الخريطة حتى نميز الطريق المؤدية إلى النهر، وتلك التي تنتهي بمتاهات الصحراء. فلنُعد صياغة التعاريف، ولنشحن الكلمات بمعانيها الحقيقية، حتى يصير الحب حبا والشفقة شفقة والغيرة غيرة والعادة مجرد عادة، ونتبين حقيقتنا بعد كل هذه العمر، لنعرف إن كنا مجرد ممثلين بارعين نؤدي دورا عابرا في مسرحية تنسدل عليها الأستار بعد حين؟ أم عاشقين حقيقيين نذرا حياتهما لهذا الرباط المقدس؟ آن الأوان لنطلع على رصيدنا الحقيقي خالصا، فبعض الأملاك تغدو مجرد ديون مؤجلة الفائدة ندفعها في آخر العمر، وأنا بطبعي، امرأة تخشى النهايات المفاجئة والغامضة. آن الأوان أن نلون أرجاء هذا البيت بألوان مناسبة، فليس من اللائق أن تتحمل جدرانه هذا اللون الوردي طوال هذه المدة، فيما تلوح من بعض الزوايا خطوط رمادية وسوداء كالحة. صار من الضروري أن نأخذ صورا إشعاعية، لنعرف مصدر هذا الألم الذي يعاودنا بين الضجر والضجر، وأن نقوم بعملية تشريحية عميقة لنستأصل الورم الصغير بدل تناول المهدئات في كل حين.
لا تَخَف، ولا تَستَحِ من الوقوف وجهاً لوجه أمام مرآة الواقع حين يدعوك ضميرك لمواجهة هواجسك بكل ما فيك من صدق وجرأة، النظر المتجدد في الحقائق ليست انكساراً أمامها ولا استسلاماً ،بل لحظة ولادة جديدة ، شعلة محرقة لكنها تذيب كل هذا الظلام الذي يلف جدران العلاقة، بحث عن أسباب العلة في جذور الشجرة، عندما تصفر أوراقها وتصير ذابلة.
أن تحب، يا سيدي، ليست كلمة تقال فقط لامرأة فاتنة في كامل زينتها، حين يتضوع من ثوبها عطر فرنسي فاخر. ليست كلمة رخيصة تنسج من حاء وباء، كما اعتدنا سماعها في هذه الأزمنة الرديئة. هي أكبر من ذلك وأعمق، الحب هو أن أكبر في عينيك دوما ولا أشيخ، أن تتأمل التجاعيد وترسم بكل خطوطها لوحة معبرة تليق بكل عام وكل عمر، أن تجلس طويلا قرب سريري حين أمرض وأصير نحيلة ومصفرة كأوراق الخريف، ليس لأن ذلك واجب فحسب، بل لأنك تعرف جوهر الكلمة التي طالما نطقتها وأنا سليمة معافاة وناضحة بالحياة، وأن تشتاق إلي فعلا، حتى عندما تنوب قناني الدواء عن قناني العطر. أن تحترم رأيي حين يخالف رأيك، لأن الاختلاف رحمة، وليس على وجه الأرض عاشقان يتوافقان على كل المسائل طول الرحلة. أن تحبني، يعني ألاَّ تجعل اختياراتي رهينة اختياراتك، أن تجد لذة مميزة في الاختلاف، لأنك تستطيع بذلك سماع صوت آخر في البيت غير صدى صوتك، فاللحن الشجي الجميل يحتاج العزف على أكثر من آلة والانتقال بين نوتات متعددة. أن تحبني، يعني أن تحترم صمتي حين يكون أبلغ من الكلام، وحين أنصت لدبيب الحياة ولأناشيدي القديمة. ألاَّ تذكرني بمرور العمر، حين أعود بين لحظة وأخرى طفلة، أعبث بشعري وأشكله ضفيرتين أو أتركه مهملا أو منسدلا على الكتفين، أو حتى حين أحن لدميتي أو للعبة ادخرتها في صندوق أمي أو في ثنايا الذاكرة.. فكلنا نكبر، لكننا لا نشيخ حقًّا إلا عندما نغتال ذاك الطفل القابع في أعماقنا؛ ذاك المشاغب الذي يلوّن الجدران بأقلام الخيال، ويرى في كلّ نافذةٍ سماءً جديدة، وفي كلّ يومٍ فرصةً لدهشة أخرى. كلنا نكبر، لكننا لا نشيخ حقًّا إلا عندما نغتال هذا الطفل القابع في أعماقنا؛ ذاك المشاغب الذي يلوّن الجدران بأقلام الخيال، ويرى في كلّ نافذةٍ سماءً جديدة، وفي كلّ صباح فرصةً لدهشة أخرى.
هذا هو الوجه الحقيقي لهذه العملة التي يتاجر بها أنصاف العشاق، ويتناقلها أشباه الشعراء وهم ينشدون نفس القصيدة بين أكثر من حضن، هذا هو المعنى الذي ينكره بعض “الرجال” ويتنكرون له حين يجد الجد ويأتي أوان التضحية وتستعر النار التي تكشف معادن النفوس..
لو كان الحب كلماتٍ منظومة لاحتكره الشعراء، ولو كان لذّةً عابرة لانتهى بانتهاء النزوة العابرة، ولو كان هدايا مغلفة بألوان العيد لامتلك الأثرياء مفاتيح القلوب. لكنه مشوار طويل تعترضه نقاط تفتيش بين العمر والعمر، وطريق يمتد بين الصحاري والوهاد، وفي الطريق دوما ألف اختبار للرفيق..



