كتبت / هند بافرط

في كتابه “في كل مكان من كل شيء” (مجموعة من النصوص)، يتطرق الكاتب زيد محمد الشهري إلى عدد من المواضيع، وبعدد من الأشكال الفنية المختلفة بين النص الطويل والقصص والمقاطع المكثفة، لكنني في هذا المقال سوف أستعرض مفردات وعبارات الطبيعة والكون التي وظفها الكاتب في أكثر من مرة: مع الجبل، والنهر، والشمس، والفصول، والأشجار، والغيم والمطر وغيرها. فهو يتساءل منذ البدء في هذا المقطع:
“هل نتوقف عن جني الحصاد؟ هل نتوقف عن الحلم؟ أخبرني أيها الزمن الصعب”.
فالحصاد هنا مقابل ما يمثله الحلم.
وفي مقطع آخر من نص “أشباهك” نقرأ: “تشبهين الجبل الذي يتذكر في وحدته أسماء من حضنوه في طريقهم إلى قمته”. والجبل هنا، الذي يراه وحيدًا، يشبه ما يشعر به تجاه الآخرين في وحدته وربما شموخه وعلو قمته.
وفي نفس النص نقرأه مع مفردة أخرى، حيث النهر الذي يوظفه بصفته الفيزيائية ولونه للدلالة على الشبه: “تشبهين النهر … وهو يمضي إلى الأمام مزهواً بزرقته الفاتنة”.
وفي مقطع حيث سراب الصحراء، إذ يشبهه بحالة التيه والضياع:
“وهأنذا أنظر إليها كما ينظر التائه في سراب الصحراء، أعلق عليها تعب السنوات”.
وفي النص الذي يحمل نفسه عنوان الكتاب “في كل مكان من كل شيء” نقرأه وهو يستلهم الطبيعة في عدد من انفعالاته وتعبيراته وإحساسه الخاص بها، فيكتب عن رقة الغيم، وعن ذاكرة الأشجار، وعن بدايات المطر، وعن مزاج عصافير في الأعشاش، وعن الشتاء والندى والنهر كل ذلك في نص واحد:
“لكِ رقة الغيم
وذاكرة الأشجار
لكِ هدوء الخليج
وبدايات المطر”.
ويلاحظ القارئ أن كل مفردة من الطبيعة تجيء بما يقابلها من إحساسه وفلسفته الخاصة، وتتكرر المفردات مرة أخرى ولكن بذاكرة جديدة و برؤية مختلفة، فيقول في نص آخر:
“بمزاج عصفور على غصن أكتب من أعماق ذاكرتي”.
ويكتب: “لها صوت تغريدة في هواء طلق”. ويبتكر سماء خاصة تأخذه خارج رتبة الحياة:
“أن نبتكر سماء في داخلنا،
سماء فسيحة،
نهرب إليها من أسئلة الحياة”.
ويجعل الطبيعة ومكوناتها نائبة عنه في وصف مشاعره، في أكثر من نص، إذ يجعل منها في هذا المقطع حياة كاملة تشبه شعوره: “زرعت بذرة وسميتها باسمك، كانت تنمو كل يوم قليلاً، تنمو وتنمو .. ولما أينعت وتفتحت زهرتها كانت الأجمل بين كل الأزهار”. ثم هي الطبيعة نفسها التي يتمرد عليها في نص آخر وبإحساس جديد، فيجدها غير كافية للتعبير الدقيق عما يريده، لكنني ألاحظ كيف يمنح كل شيء حوله من الطبيعة حواسًا مبتكرة في انزياح واضح عن المألوف والمعتاد والمتعارف عليه: فالرائحة للنهر، والعين للقمر، والضحكة للوردة. يكتب: “أظلمك حين أشبهك بالنهر فهو يفتقد رائحتك، أظلمك حين أشبهك بالقمر فهو يفتقد نظرة عينيك، أظلمك حين أشبهك بالورد، فهو يفتقد ضحكتك، أظلمك حين لا أشبهك بكل شيء جميل”.
إن توظيف الطبيعة في نصوص زيد الشهري قائم على لحظة تأمل طويلة المدى، وعلاقة تتخطى المشهد الجمالي إلى كونها علاقة معرفة عن قرب، علاقة خبيرة بتحولات الأشياء من حوله وبما يمكن أن يقال تحديدًا، لذا نقرأه حين يغامر في منحها مساحة منزاحة عن معناها المتعارف عليه، لأنه يدرك أي دلالة عميقة في هذا البعد الجديد، يؤنسنها أو يتضاد معها، أو كما فعل كثيرًا في هذه النصوص حين يجعلها نائبة عنه في قول ما يريد.



