
أنجبتُ بنتا وقلت لها:
صيري قبرًا،
سأردم فيكِ؛
أحلامي التي اخترقها الحسد
قلبًا مضغ القسوةَ بكل النكهات،
رجالي الذين لم يطأوا إلا ظلي،
بلادًا حلمتُ بالسفر إليها و لم أعد،
جسدي المغلق بختم الطبيعة،
دجاجاتي اللَّاتي تعفّن ،
ذاكرتي التي أكلها الخرف،
مزاجي المتقلب عند انقطاع الطمث،
مزاجي المتقلب عند انقطاع الوحي،
مزاجي المتقلب عند انقطاع النوم،
مزاجي المتقلب عند إفاقتي من التخدير،
مزاجي المتقلب عند احتراق الوجبة،
مزاجي المتقلب عند اكتمال القمر.
وعليكِ الآن أن تنضجي جيدًا
يا قبري الجميل
غذيتكِ بكل ما تحتاجينه
لتصيري بركانًا مطيعاً،
إياكِ أن تنفجري،
أن يلمح أحدهم طرف اللهب على فمك،
أن يعلو حسيسكِ فتسمعه القبيلة،
أو أن يفوح رمادكِ كأي عاهرةٍ في الحي،
لم أربيكِ على هذا.
يا قبري البريء:
أنتِ مدينةٌ لي
لولاي ما رأيتِ الحياة عاريةً هكذا،
ما لمستِ قلب الحزن بيدٍ واثقة،
ولا لعقتِ كبد القسوة بلسانٍ فاتر،
ولا آمنتِ بالحب كأولِ خطوةٍ في المأساة.
الآن يا صغيرتي؛
عليكِ أن تنطلقي في العالم،
لابد أن تصيري امرأةً ذات شأن
وكلما علا صيتك،
تذكري أنكِ قبرٌ
وأنه بمجرد النبشِ على رأسكِ
ستفور الذكريات وترغي على فمك
ستنز عيناكِ بالملحِ والتراب
و يدق قلبكِ كرفرفة الفراشات
و يتسلل النمل بين ساقيكِ كرغبة آثمة.
ثبتُ على جبينكِ شاهدًا رخاميًا
لكنك بنت الروايات المتواترة؛
الروايات التي تخللتها العنعنات،
الرواة الذين زُجوا بين اسمائنا
ليصير لنا قبيلةً من الذكور
يحملون النعوش
ونُذكرُ باسمائهم حين يدعوننا للموت،
الموت الذي لا يصحُ بدون رجال.
خفت كثيرا من قبورٍ
تهاجر رفقة أرضٍ جديدة،
من قبر يلتف حوله الأحراش والخفافيش وقطاع الطرق
من قبرٍ يفتح فمه لجثث للغرباء،
من قبرٍ يقصده الحزانى والعواقر واللائي بلا مأوى
لكنكِ يا قبري المزدحم
ستبقين هنا على فخذي
لتلدي قبورًا صغيرة
و يكبروا حولي



