الثاني عشر من مارس

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتبت/ العنود جهاد المصري

إنني أتمنى أن يحصرني العالم في زاويتك؛ أن تختفي كل وسائل المواصلات، فتجد نفسك تجلس بجانبي في محطةٍ ما. أن يختفي هاتفك وأموالك وكل شيء، فتجد نفسك مجبرًا على أخذ هاتفي لإتمام مكالمةٍ ما. أو تدخل أحد المقاهي في مكانٍ ما، فتجد الأماكن شاغرة، ولا يوجد مقعدٌ فارغ سوى جواري. أو تفقد ذاكرتك، فتسألني عن الطريق. أو تتداخل أرقامك، فتتصل عن طريق الخطأ برقمي. أن تسقط المدن والمسافات، فتجد نفسك تعيش جواري. أن تحدث الثورات وينهار العالم، فتضل الطريق وتسير بجانبي. أرجو أن ينتهي العالم وأنت في عالمي. لقد كنت أحب كيف تبتكر لأجلي كلماتٍ جديدة؛ تحادثني في اللحظات الأكثر ازدحامًا، وتزاحمني بتفاصيل يومك. تصوّر لي لحظاتك،

يومياتك،

وكوب قهوتك.

تكتب لي وكأنني دفترك السريّ.

تتنهد،

تتألم،

ونطرب سويًا.

أريدك أن تخبرني، في مكالمةٍ مطوّلة، عمّا تفعله الساعة الثالثة صباحًا؛ عن الثورة، والفن، والسلام، عن وحدتك، ومخاوفك، وفلسفاتك التي لا يدرك خباياها أحد، عن كل إخفاقاتك المتكررة، وإنجازاتك الصغيرة، وعن آخر مرةٍ عددتُ فيها النجمات. وأحتاج شيئًا أخيرًا لنفسي أباهي به عندما أخسر: لكل الليالي التي لا تُطاق، رفاقًا أحاديثهم سُكر.

حُفاةٌ

يمرّون فوق الحياة

فلا يكسِرون

ولم يُكسَروا.

يغنّون لي حين أبكي عليّ،

يحبّونني

حين لا أقدر.

فالحب هو أن تشارك شخصًا ما أحلامك البعيدة وهزائمك الصغيرة. الحب هو أن يتوقف الشجار عندما يحتل الحزن عين الآخر. الحب هو أن يقتبس شخصٌ لم يقرأ يومًا كتابًا عبارةً من كتابك المفضل. الحب هو ما يجعل وردةً واحدة تبدو كحديقة لا تنتهي، وهو ما يجعل من إنسان صغير مجرّةً واسعة. ولو سألتني عن الحب لحدثتك كيف يحوّل شخصٌ واحد فقط، باتصال واحد فقط، برسالة واحدة فقط، بكلمة واحدة فقط، حياةَ شخصٍ آخر من العدم إلى الوجود، من التعب إلى العافية. كيف يعيد له رئتَيه، وملامحه، وضحكته، وشعوره بالرغبة في الحياة أكثر.

الحب شيء أقرب إلى نفخ الروح. تارةً أشعر أنني بخير، وتارةً أخرى أشعر أننا نحتاج إلى ترميم بين فترةٍ وأخرى.

فالإنسان مادة، والمواد يصيبها التلف ما لم تُتعهّد بالعناية.

العقول تصدأ،

الجوارح تذبل،

الروح تهرم،

القلب يشيخ،

والكلمات تشح،

وشجرة الخلد تتساقط

ورقةً

ورقة.

فبعد كل حرب أحاربها مع نفسي، إنك لا تدرك ما معنى أن يقفز لي وجهك وسط كل شيء؛ تحت أي ظرف، فوق أي زمان، على سريري، وسط أصدقائي، في اللحظات الصامتة، وتلك التي تملؤها الضجة. إنك لا تدرك تمامًا ماذا يعني أن يحمل شخصٌ ما أحدًا بداخله، تمامًا كما أحملك يا زيد في قلبي.

8 Responses

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form