الزائر الحبيب “رمضان في شرفات القلب”

🕓 وقت القراءة: 4 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتبت/ نهى رجب محمد

أحب الأيام إلى القلب غرّة رمضان، حين يعلن التلفاز ثبوت رؤية الهلال، فتكتسي شوارع القاهرة مساءً بحلة من السحر والجمال تجذب القاصي والداني، وتمتلئ بالمارة والفوانيس المتلألئة، وتتعطر بمحلات المكسرات والحلوى الرمضانية، فيصبح كل ركن في المدينة لوحة حية تعكس روح الشهر الكريم. أَذْكر أيّامه العطرة في بيت أبي، وصوته ما زال يرن في أذني وهو يتلو آي الذكر الحكيم، وكنا نتبارى في التلاوة ونسابق الزمن لنختم المصحف. يظل مشهد نزولنا جماعات لصلاة التراويح راسخاً في الذاكرة، كثافة المصلين تبعث رهبة محببة، وأجواء روحانية تملأ النفس وتعمّر الفؤاد. نفتح الراديو فنستمع بخشوع، وكانت أحب التلاوات إلى روحي تلاوة الشيخ محمد رفعت قيثارة السماء، بينما لصوت الشيخ سيد النقشبندي في التواشيح والابتهالات سحر خاص يختص به القلب.

مع اقتراب المغرب يتحول المطبخ إلى خلية نحل، نتقاسم الأدوار بحماس، ونتفنن في إعداد الأصناف والمقبّلات والحلوى، حرصاً على إرضاء جميع الأذواق دون إسراف. كنا يدا واحدة على قلب واحد؛ البنات يساعدن الوالدة، والأولاد يتولون تجهيز السلطات وترتيب المائدة وصبّ العصائر. أحلى جلسة كانت على الأرض والبساط أحمدي، مفرش بلاستيكي ملون يمتد فوق السجادة العتيقة، وأكواب الخشاف مصطّفة بعدد الصائمين. ذكريات ما زالت تحتفظ بوهجها الأول، كأن الزمن توقف عندها. في نهار رمضان نتخير الكلمات الطيبة، ونتسابق إلى الطاعات رجاء الثواب. ومن الطقوس المحببة للصغار شراء الفوانيس الصغيرة من المعدن والزجاج الملون، نضيئها بعد الفطور ونجوب بها الطرقات مرددين: وحوي يا وحوي، حلو يا حلو رمضان كريم يا حلو. فرمضان الذي تربيت فيه يعني بالنسبة لي شهر التزاور ولم الشمل في بيت جدي بالقرية، الطبلية الكبيرة عامرة بالبط البلدي والأوز والملوخية والبامية والسلطة. وكما تقول جدتي: الطبلية تسع من الحبايب ألف. تخصص طبلية للصغار بجوار الكبيرة، بينما تدير الأمهات المشهد بحزم ممزوج بالحنان. تتجدد زيارات الأقارب، وتزدهر جلسات بنات العمة والخالة بثرثرة محببة تظل عالقة في الذاكرة. ونواظب على زيارة الجيران والأصدقاء، نتبادل أطباق الطعام والحلويات الرمضانية الشهيرة كالقطائف والكنافة. اعتاد والدي رحمه الله الإكثار من العطاء في رمضان، أراه قبيل المغرب ينضم إلى الأيادي البيضاء، يرسم البسمة على شفاه المتعففين. شهادتي فيه مجروحة، فما عرفت رجلا في سخائه ورقة قلبه مثله. ومن ملامح الشهر صناعة المشروبات التي تخفف وطأة العطش، مثل التمر هندي والعرقسوس وقمر الدين، نكهات ارتبطت بقدوم رمضان وتعد من الأصول المصرية الراسخة. وكان بائع العرقسوس قديما بهيئة مميزة، يصب شرابه بمهارة من مسافة في الكوب الزجاجي فتعلوه رغوة شهية. بعد التراويح يحلو الاجتماع على الحلوى وشرب قمر الدين، ونشاهد الفوازير باستعراضاتها وأسئلتها اليومية، وكانت مائدة التلفاز عامرة بالبرامج والمسلسلات بعدد محدود يترك مساحة للشوق والانتظار. حتى الشوارع كانت ترتدي حللها احتفاء بالشهر؛ نصنع زينة من الورق الملون، نقصه بأشكال زخرفية ونمده بين الشرفات، ونعلق فانوسا كبيرا في المنتصف. وعلى جوانب الطريق يبدع صانعو الكنافة في رش عجينتها بخفة، ويشكل بعضهم القطائف العصافيري الصغيرة، بينما تتراص برطمانات المخللات في دكاكين البقالة بلوحة لونية جذابة .انتشرت موائد الرحمن في كل مكان، وفي القاهرة بدت أوسع وأكثر ازدحاما، يحيط بها صوان من قماش الخيامية الملون، ذلك الفن الشعبي العريق، وداخلها تصف الطاولات والكراسي في نظام. مع انطلاق مدفع الإفطار تُرصّ الأطباق وتتعالى الدعوات، في مشهد يجسد روح التكافل والكرم.

رمضان في الإمارات

تجربة مختلفة بطعم خاص. في العين التي تُلقّب بدار الزين عشنا أعواما عامرة بالدفء، نستقبل الشهر بفرح صادق، ونحضر المجالس الرمضانية للقراء والمتحدثين، ونتبادل التهاني والأطباق مع الصديقات والجيران. تابعنا المسلسلات المصرية والخليجية، وشعرنا بقرب القلوب رغم اختلاف الأمكنة. حرصنا على شراء زينة مضيئة وتعليق شرائط النور التي تتلألأ فيها الفوانيس الصغيرة، وصار الاستعداد لرمضان تقليدا اجتماعيا تحرص عليه الأسر. كل أم تبدع في تزيين منزلها بالمفارش الجديدة والإنارات، وتهتم بحسن الاستقبال وكرم الضيافة. تبهج القلب الأضواء التي تزيّن شوارع العين ودواراتها بتشكيلات الأهلة والفوانيس وعبارات التهنئة، كما تتألق واجهات المباني والحدائق والمطاعم. ويسر النفس مشهد المتطوعين وهم يوزعون التمر والماء قبيل المغرب، وتنتشر خيام الإطعام في الأحياء، في صورة ناصعة للعطاء والتراحم. يتفنن أصحاب المطاعم في تقديم الأطباق والحلويات، ويزيّنون الأماكن بلمسات رمضانية جذابة، ويقدمون عروضا تستقطب العائلات والأصدقاء. ومن الحلويات التي أحببتها اللقيمات بالدبس، حلوى ذهبية تشبه الزلابية، تقدم ساخنة بطعم دافئ يعلق في الذاكرة. لكل بلد طقوسه في رمضان، ولكل منا ذكرياته التي تنفرد بنكهتها الخاصة. يبقى الشهر المبارك ضيفا عزيزا على القلوب، يجمع الأحباب ويجدد في الأرواح معاني الصفاء والخير، ويعيدنا كل عام إلى أجمل ما فينا.

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form