الكتابة في زمن المعارك “حــــاء حــــــــــــرب”

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

رسالة إلى مجتمع “حـــــرملك”؛ لا توثق عدد الصواريخ أو الأضرار، بل تلتقط ما تمر به الإنسانية تحت وطأة التهديد والحرب، عبر تفاصيل يومية بسيطة قد تغفل عنها كتب التاريخ.

السبت 28 فبراير 2026، الساعة الثانية والثلث ظهرًا. في منزل شقيقتي بمدينة العين.

مرة ثالثة: “حرب”

حاء: حسرة / حطام، راء: رعونة / رداءة، باء: بطش / بكاء / بوار

رنّ الهاتف، صوت شقيقتي التي تؤدي مناسك العمرة في السعودية يحمل قلقاً واضحاً: أنتِ بخير؟ أنتم جميعاً بخير؟ أجبتها مازحة: بخير ونص… ماذا هناك؟ ارتفع حاجبها دهشة وقالت: عايدة إيران أطلقت صواريخ وهناك إصابة. صعقتني الكلمات، فتحت شاشة الهاتف مسرعة، دخلت إلى محرك البحث أفتش عن الأخبار، لم تنتظر أختي  دلقت التفاصيل دفعة واحدة في أذني، ناديت شقيقتي الكبرى، فردّت مستنكرة: لا تمزحون. أدرتُ الهاتف نحوها الخبر واضح. تبادلنا الطمأنينة بصوت خافت، نحن الاثنتان في نفس واحد: “ستمر مثل غيرها”. شعرت بالارتباك ولم أفكر إلا في المدرسة، وأطفأت أي شعور مخيف ولبست ثوب البلادة، آه ماذا الآن، حوار يدور بيني وبيني وأنا أدور حول نفسي في الغرفة فأجاوبني أجل حان وقت عودتي إلى البيت، المدرسة تنتظر، جهزتُ نفسي وأولادي وقدتُ السيارة. تتزاحم في ذهني الأسئلة، أتفحص الخريطة لأتجنب الازدحام؛ الطريق مفتوح، خالٍ من عرقلة السير، أمر مبشّر، لكن أسئلة أطفالي لا تنتهي: “من هي إيران؟ ما معنى كلمة حرب؟ ما هي الأسلحة؟ ولماذا الإمارات؟” وابني الذي يسمي جميع شيوخ الإمارات “بالشيخ زايد” رحمه الله، ويظن أنه ما زال حياً. سألني ببرائته المعهودة: والشيخ زايد ماذا فعل؟

في رأسي تدق كلمة واحدة: حرب، تتوالى اتصالات شقيقتي من السعودية طوال الطريق؛ قلقها لا يهدأ، ألهمني الله الجواب: قلت لها “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، ولا تدري النفس بأي أرض تموت توكلي على الله… الأمور بخير. تطن الكلمة في رأسي مرة بعد أخرى: “حرب” تذكرت تمريناً قرأته في كتاب “حاء” لبثينة العيسى؛ وحديثها عن الكلمات بوصفها كائنات حية، تصادقها أحياناً وتعاديها أحياناً أخرى، وتنصت لها طويلا قبل أن تفكك دلالاتها، حاولت أن أشغل نفسي في الطريق الطويل، فاستعرت التمرين وفككت الكلمة:

“حرب”

حاء: حقد

راء: رعب

باء: بلاء

مرة أخرى: “حرب”

حاء: حريق

راء: ركام

باء: بؤس

مرة ثالثة: “حرب”

حاء: حسرة / حطام

راء: رعونة / رداءة

باء: بطش / بكاء / بوار

فالكتابة كما يصفها والتر موزلي هي فعل يشبه حرب العصابات لا توجد إجازات، لا توجد استراحات ولا يوجد راحة”.

اجتماع هذه الحروف الثلاثة في كلمة واحدة لا يأتي بخير، الحرب بكل قبيلة دلالاتها تعلّمك اقتصاد المشاعر، أن تختصر قلقك في سؤال واحد: أنتم بخير؟ أن تختصر حبك في رسالة تُطمئن بها أهلك وأصدقاءك، أن تتعلم خطط النجاة البدائية، وأن تحزم مشاعرك كلها في حقيبة. ثلاثة أحرف فقط: “ح – ر – ب” قادرة على أن تجعل قلب أم يخفق طوال الطريق.

الأجواء التي كُتبت فيها الرسالة ” بعد أن فرغتُ من إعداد السحور لعائلتي، وأعَدْتُ صغاري إلى أسرّتهم ومسّدت على رأسيهما بآيات من القرآن، وحين نام البيت أخيرا، انتحيت بنفسي على طاولة السفرة وبدأتُ أكتب، فالكتابة في زمن الحرب ضرورة أو كما يصفها والتر موزلي هي فعل يشبه حرب العصابات ففي الكتابة لا توجد إجازات، لا توجد استراحات ولا يوجد راحة”.

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form