شحرورة واحدة منحتني ثقتها

🕓 وقت القراءة: 4 دقيقة

مشاركة المقالة:

منذ أسابيع تزورنا شحرورة. تمشي في حديقة البيت كأنها بيتها، تحط هنا وهناك وتقفز بين الأشجار، لا تبدو خائفة منّا على الإطلاق. 

نجلس يوميًا في الحديقة، نسقي النباتات، نتحدث، بينما هي تراقبنا وتطير، ثم تغيب ساعات طويلة، فلا نعرف أين تذهب.

اليوم اكتشف زوجي العشّ بالصدفة، كان يحاول قطف حبات الكرز في غصن عالٍ.

وجد العش في شجرة السرو، في مكان قريب من غصن الكرز الذي يستند على أعلى شجرة السرو. كأنّ الشجرتين اتفقتا على حمله معًا. 

خمس بيضات صغيرة تستريح في العش، فوق ارتفاع يكفي ليجعل القلب يفكر بالسقوط قبل أن يفكر بالطيران. 

قرأتُ مرة أن الشحرور يبني عشه حيث يجد الأمان والطعام. يبدو الأمر منطقيًا. الكرز موجود. أما الأمان فذلك ما حيّرني.

كيف منحتنا هذه الشحرورة ثقتها؟

أم أن السؤال مقلوب؟ كيف عرفنا نحن أننا أهل لهذه الثقة؟

ربما كانت تمضي الأسابيع الماضية تراقبنا! تحفظ مواعيد خروجنا وعودتنا. تختبر أصواتنا. تعرف أي نافذة تخرج منها الموسيقى وأي باب يُغلق بهدوء. أول ما شعرتُ به عندما رأيت العشّ لم يكن الفرح، بل الخوف. الخوف على البيض من الريح، ومن الفئران، ومن المصادفات الصغيرة كأن يسدّد طفلي الكرة باتجاه العش دون قصد.

الخوف ليس نقيض الأمان كما نظن. أحيانًا يكون دليله.

الخوف ليس نقيض الأمان كما نظن. أحيانًا يكون دليله.

نخاف على ما أصبح جزءًا من عالمنا. الآن تسيطر عليّ فكرة أنّ في حديقتنا أمّاً ترعى خمس كائنات ستخرج إلى الحياة قريبًا، هذه الفكرة تجعل قلبي يقلق، كيف أساعدها؟ يبدو سؤالي ساذجًا، عليّ أن أثق بأمومتها، في قدرتها على منحي فكرة مختلفة عن البيت.

كم هي مرهقة فكرة البيوت!

أظن أننا لا نسكن البيوت التي نعيش فيها فعلًا، بل نسكن إلى آخر العمر، أول بيت عرفناه. يبقى بيت الطفولة حاضرًا، نحمله معنا كنموذج أصيل نقيس عليه كل ما يأتي بعده. قد تكون البيوت اللاحقة أوسع وأكثر راحة، وقد تكون أكثر رفاهًا، لكن المقارنة لا تتوقف.

مقارنة النوم عصرًا في الطفولة تحت النافذة في ظهيرة صيفية حارة، حين تمر نسمة هواء بطيئة تكفي وحدها لتغرقك في شعور خالص بالأمان.

أو مقارنة طبق تعدّه اليوم في مطبخك الحديث، أمامك أنواع التوابل والخضروات واللحوم، بطبق بسيط من البطاطا المقلية بالثوم والكزبرة كانت تعدّه أمك، فيحمل من الطمأنينة ما لا تحمله أكثر الوصفات تعقيدًا.

النسخة الأولى من الأشياء هي ما نفتقد، النسخة التي التصقت بذاكرتنا قبل أن نعرف المقارنة.

ربما لهذا نقضي أعمارنا نحاول أن نبني بيتًا يشبه أول بيت عرفته ذاكرتنا، ولا ننجح تمامًا.

أما الشحرورة، فلا يبدو أنها تحمل معها بيتًا أول تقارن به كل البيوت اللاحقة. لقد راقبت المكان، تبعت حدسها، ثم اكتفت. كان الأمان بالنسبة لها قدرًا كافيًا لتبدأ الحياة. 

وربما ليست الطيور أشجع منا، لكنها تعرف متى يصبح المكان بيتًا، بينما نظل نحن نؤجل الاعتراف بذلك سنوات طويلة.

في طفولتي، كانت تأتي إلى بيتنا قطة سوداء عرجاء وبذيل قصير. تجلس عند الباب، لا تموء كباقي قطط الحي المزعجة. كانت أمي تضع لها قليلًا من اللبن في صحن، فتأكل وتمضي. 

كان بعض الجيران يطردونها، وبعض الأطفال يخافون من شكلها ومشيتها الغريبة.

بعد فترة، خرج صوت مواء قطط صغيرة من تحت الدرج الخلفي لبيتنا. اختارت بيتنا ملاذًا آمنًا لصغارها.

أفكر اليوم أن الشحرورة أعادت إليّ الدرس نفسه.

نحن معتادون على قياس أثرنا بما فعلناه، بما أنجزناه، بما قلناه للآخرين. لكن ربما يُقاس أثر الإنسان أيضًا بما لم يفعله؛ بالخوف الذي لم يسببه، بالأذى الذي امتنع عنه، وبالكائنات التي اختارت أن تعيش بالقرب منه لأنها لم تجد فيه ما يدعوها إلى الهرب.

قد نكون مرة في حياتنا، مصدر أمان لكائن ما، ونحن لا ندري.

مرة أو مرات، نجعل فيها حياة أخرى تجرؤ على أن تبدأ.

لم تعرف الشحرورة يقينًا أن أحدًا لن يؤذيها في هذا المكان. اكتفت بما رأت، وما التقطه حدسها من تفاصيل صغيرة من حركتنا وأصواتنا، ثم سلّمت حياتها وحياة خمسة مخلوقات لم تولد بعد لهذا المكان، وبنت البيت كما تحب تمامًا.

طوال الأسابيع الماضية كنت أظن أننا نحن الذين نراقب الشحرورة. ثم اكتشفت أننا كنّا نحن موضوع المراقبة.

نجحنا على ما يبدو، في امتحانٍ لم نكن نعلم به.

ربّما لا أحتاج بعد اليوم أن أبحث عن دليل يعيد ثقتي بهذا الكوكب.

يكفي أن شحرورة واحدة وثقت بي، واختارت أن تبني عشها وتضع بيضها في حديقة بيتنا.

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form