حبّة برتقال

🕓 وقت القراءة: 2 دقيقة

مشاركة المقالة:

أكتب هذا إلى المرأة السمراء الجميلة التي لا أعرف اسمها، التقيتها منذ ثلاث سنوات، على الطريق المؤدي إلى غواياكيل في الإكوادور، خلال مهمة عمل. 

“كنتِ امرأة تشبه الأرض التي تنتمي إليها، وتشبه كل النساء اللواتي يحملن أثقال الحياة على أكتافهن دون أن ينحنين”. يومها ضحكتِ بصوتٍ عالٍ، وضعتِ يديكِ المشققتين على فمكِ بحركة طفلة خجولة. كنتِ تبيعين الفواكه على الطريق، وحين سألتكِ عن أسمائها، قشرتِ برتقالة وناولتها لي قائلة:

“دعكِ من أسمائها، إنها لذيذة وهذا يكفي، لم أتخيل يومًا أن ألتقي بشخص من الجهة الأخرى من العالم. وها نحن الآن نتقاسم هذه البرتقالة وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن.”

إن المحبة وحدها هي التي توصل شرق العالم بغربه. وإن البشر، في نهاية الأمر، يتقاسمون الحياة كما يتقاسمون حبة برتقال

في تلك اللحظة، لم أكن أمام امرأة غريبة، كنتُ أرى فيكِ كل امرأة تعرف لغة الأرض دون أن تقرأ كتابًا واحدًا، امرأة تشبه الشجر في صمت عطائها. وجهكِ كان مألوفًا، رغم أننا التقينا لأول مرة. وجه يألفه من يعرف معنى الكدح بكرامة. 

ودّعتكِ وصعدتُ السيارة، لكنكِ ركضتِ نحوي بلهفة أُمّ، وقدّمتِ لي برتقالة أخرى كهدية.

أخذتُ البرتقالة معي، ووضعتها في حقيبتي، وأحضرتها إلى بيتي في بلجيكا. أردتُ أن تتذوق أسرتي الصغيرة مذاق تراب أمريكا اللاتينية. 

لكنني لم أكتفِ بذلك. جففتُ قشور البرتقالة واحتفظتُ بها في علبة صغيرة، أما بذورها، فزرعتها في أصيص.

أريد أن أخبركِ أن عمر شجيرة البرتقال الآن ثلاث سنوات. هديتكِ الصغيرة أصبحت شجرة تنمو في بيتي، هنا في مكان غربتي. شجيرة صغيرة تبنّيتها كطفلتي، منحتني أمومة الشجر ومنحتها حياةً.

نبتة البرتقال بعد أن زرعتها الكاتبة

كلما سقيتها، أرى أمامي صورة امرأة ركضت لتقدم لي حبّة من كرم قلبها. أرى شجرة تمتد جذورها بين قارتين، بين حياة وحياة.

أكتب إليكِ الآن، رغم أنني لا أعرف اسمك، لأقول لكِ إن المحبة وحدها هي التي توصل شرق العالم بغربه. وإن البشر، في نهاية الأمر، يتقاسمون الحياة كما يتقاسمون حبة برتقال، لأنهم يأكلون جميعًا من نفس تراب هذا الكوكب. 

في بلجيكا، حيث الغربة ثقيلة، وجدتُ في شجيرة البرتقال التي زرعتها ونيسًا. هي مثلي، جاءت من أرض بعيدة، لكن جذورها تمسكت بالحياة لتنمو. كلما أراقب أوراقها وهي تكبر ببطء، أشعر أنها تهمس لي: 

“الغربة ليست المكان. الغربة أن تتخلى عن جذورك. اعتنِ بجذورك، وستنمو رغم كل شيء.”

2 Responses

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form