اتفاقية صلح مع الطعام

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

نورة الكمالي

الساعة التاسعة صباحًا، إجازة نهاية الأسبوع. من الكئيب أن تستيقظ في هذا الوقت المبكر بينما لديك متّسع من الوقت. حملتُ الهاتف، وجلستُ في الصالة لأكتب نصي الجديد.

فروةٌ ناعمةٌ ودافئة تمرّ على ساقي، فتسري قشعريرة في جسدي، أرفع ساقي مع صرخة مكتومة. إنها القطة، لا بدّ أنها جائعة، في إنائها بقايا طعام الأمس، جفَّ والتصق بأطراف الصحن.

لم أُبالِ، سكبتُ لها طعامها وعدتُ بسرعة ألاحق أفكاري قبل أن تفلت، لأدوّنها في النص.

بعد نصف ساعة عادت القطة إليّ، تلتف حولي، تمسح ساقي من جديد، تقفز فوقي وفوق  الحاسب المحمول.

لا أطيق القطط حقيقةً (وليسامحني محبّو القطط) ولا أفهمها، لكن لهذه القطة قصة.

 فوجئنا بها يومًا في خزانة ابنتي وقد ولدت صغارها، كان يومًا مأساويًا.

استحلفتني ابنتي حتى نحتفظ بها مع صغارها، فهذه “هدية من الله” لها.

  إذ كانت ترجوني ليل نهار لتبني قطة، وكنت أرفض قطعًا.

استسلمتُ ووافقت، رحمةً بصغارها، وفي نيّتي التخلّص منهم بعد ثلاثة أشهر، عندما يكبرون ويصبحون معتمدين على أنفسهم. المهم أنّي صرختُ صرخة غضب. خرجت ابنتي على إثرها من الغرفة تستفسر.

قلت: “لقد أطعمتها للتو”.

رمقت الإناء، ثم نطقت بإجابة من اكتسب خبرته من “غوغل”:

— أمي، يقولون إن القطة التي تأكل من إناء متّسخ لا تشعر بالشبع.

أجبتها بغضب:

— ناقص أغسل مواعين القطو بعد!

جزء من الأنوثة هو الاستمتاع. أن تستمتعي بالوجبة يعني أن تشبعي، وأن تشبعي يعني ألا تفكّري بالطعام طوال الوقت، وألا تُصابي بهوس الطعام

لكن عبارة ابنتي ظلّت تدور في رأسي:

“القطة لا تشبع من الإناء المتّسخ”. القطط كائنات شديدة الدلع، مغالِية في الرفاهية.

إن علّمتها على مستوى معيّن، فلن تستطيع الانحدار عنه. إن كان الإناء متّسخًا فلن تستمتع بطعامها، وإن لم تستمتع، فلن تشبع.

وأنتم… بني البشر…

هل تشبعون من دون استمتاع بالطعام؟

ليس بالضرورة أن يكون الطعام على مزاجك، فمن الصعب الحصول دائمًا على طعامٍ يرضيك حتى تستمتع به.

لكن يمكنك الاستمتاع بوجبتك بطرقٍ أخرى: ماذا عن الطعام البارد الذي لا تريد تسخينه،

وتستعجل في أكله لأنك جائع… هل تشبع؟ ماذا عن “سرقة” لقيمات وأنتِ تطبخين؟

هل تستمتعين بتلك السرقات فتشبعين؟ هل تستمتع بوجبتك وأنت تراقب أحداثًا في الهاتف، ثم تقوم عندما تشبع؟ أم ربما لا تقوم أصلًا؟

هل تتأنّى في المضغ؟ تستشعر الطعم؟ ترى الألوان؟ تشمّ الرائحة؟

تلمس طعامك حتى تستمتع به وأنت تأكله؟

ثم ماذا عن تلك الأطعمة في القائمة السوداء؟

هل الخبز من المحرّمات؟ هل البيض يرفع الكوليسترول؟ هل الحليب سمّ؟

ثم تأكلها وكل تلك الأفكار في رأسك…

هل تستمتع؟ فتشبع؟

ولأهل الحمية: هل تستمتع بتناول الكرفس المضروب مع الليمون بقشره في الخلاط؟

ثم تشعر بالشبع بعده؟ هل يعجبك أن تتناول طبقًا مكوّنًا من صدور الدجاج الخالية من الدهون، المشوية مع الخضار، يوميًا؟ هل تستمتع؟ أم تأكل لتعيش، وتقضي بقية يومك في حالة جوع لأنك لم تستمتع بتلك الوجبة؟

وبما أنّ هذه المدوّنة للمرأة، فسأقول:

جزء من الأنوثة هو الاستمتاع. أن تستمتعي بالوجبة يعني أن تشبعي، وأن تشبعي يعني ألا تفكّري بالطعام طوال الوقت، وألا تُصابي بهوس الطعام. أن تستمتعي يعني أن تتأنّي بطعامك، وألا تستعجليه. ما أريد إيضاحه لكم ولي قبلًا:

الطعام متعة، والطعام له أصول؛ إن اتّبعتها… استمتعتِ، فتوازنتِ.

4 Responses

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form