
ليست كل اللحظات العابرة عابرة حقًا؛ فبعضها يمرّ بنا ليترك أثرًا أعمق مما نتوقع. في لقاءٍ عابر، وابتسامةٍ صادقة، قد تبدأ حكاية صغيرة، أو فكرة كبيرة، أو نصٌّ يولد من بساطة الموقف وصدق الشعور تمامًا كما حدث مع “تبسّم”، أجلس في أحد مجمّعات المطاعم المطلة على البحر، المكان ذاته الذي كنتُ فيه ذات يوم مع بناتي الثلاث، حين التقينا بـ «تبسّم»؛ تلك النادلة البسيطة القادمة من بلادٍ آسيوية بعيدة، تحمل معها ابتسامة تشبه روحها: صافية، ودودة، وعفوية. شدّتني ابتسامتها منذ اللحظة الأولى، فكان لا بدّ أن ينتهي الأمر بتبادل أطراف الحديث. وحين أخبرتني باسمها، لم أشعر بأي دهشة؛ إذ لم يكن ثمة اسم يليق بها أكثر من ذلك الاسم الذي وُلدت به. فكما يقول المثل: «لكلِّ امرئٍ من اسمه نصيب»، أي إن اسم الإنسان قد ينعكس على شخصيته وسلوكه، بما يحمله من معانٍ إيجابية أو سلبية، وبالطريقة التي يتعامل بها الآخرون معه بناءً عليه. وبالنسبة لي، أؤمن بعمق بهذا المثل، خاصة بعد اطلاعي على العديد من الأبحاث والدراسات التي أكدت تأثير تكرار الكلمات والتوكيدات على العقل اللاواعي، والذي بدوره يوجّه تصرّفات الإنسان وفق ما اعتاد سماعه وترديده. فما بالنا بالاسم الذي يُنادى به المرء منذ ولادته وحتى يوم مماته؟ الاسم الذي لا يكون مجرد لفظ، بل يحمل أبعادًا نفسية ومعاني خاصة تلازمه طوال حياته. الحديث في هذا الشأن يطول، ولعلّه يستحق مقالًا مستقلًا.

فالحزن يحتاج أن نمنحه مساحته ووقته ليعبر بسلام، دون أن يترك رواسب عالقة في دواخلنا. لكنه تمرين فعّال في الأيام الاعتيادية التي نشعر فيها بالملل أو قلة الحيلة
أما الآن، فأعود بكم إلى الابتسامة؛ ذلك الفعل البسيط الذي أسرني منذ الصغر، وأيقظته من جديد ابتسامة “تبسّم”، فالابتسامة ليست حركة عابرة أو اعتباطية، بل فعل بسيط في ظاهره، عميق الأثر في جوهره. تشير الدراسات إلى أن الابتسامة الخفيفة تتطلب نحو 10 إلى 12 عضلة، بينما قد تُفعِّل الابتسامة العريضة ما يصل إلى 43 عضلة. وهي – على عكس العبوس – أسهل على الوجه والجسد، كما تسهم في تحسين المزاج، وتقليل التوتر، وتقوية الجهاز المناعي، فضلًا عن زيادة تدفّق الدم إلى البشرة، مما يخفف من آثار الشيخوخة.
وقد قرأتُ – وجرّبتُ ذات يوم – تمرينًا بسيطًا يعتمد على الابتسام، قادرًا على تغيير حالتنا المزاجية حتى في الأيام التي لا نشعر فيها بالرغبة بالابتسامة. يقوم التمرين على الوقوف أمام المرآة، والابتسام عمدًا، حتى وإن بدا الأمر مصطنعًا في البداية. نُجبر أنفسنا على هذا الفعل، نراقب تعابير وجوهنا، ونركّز على تفاصيل الابتسامة وجمالها، ونقاوم رغبة العبوس. ومع التكرار، يهدأ الصراع الداخلي، ونصبح أكثر حضورًا مع تلك الابتسامة.
حينها يبدأ مفعولها السحري بالظهور؛ فالابتسامة الجسدية تحفّز إفراز هرمون الإندورفين وهرمونات أخرى مصاحبة، وهي مواد كيميائية طبيعية تُسعد الدماغ، فتُرسل إشارات توهم العقل بوجود حالة من السعادة، فيستجيب لها فعلًا.
ولا يصلح هذا التمرين في حالات الحزن العميق؛ فالحزن يحتاج أن نمنحه مساحته ووقته ليعبر بسلام، دون أن يترك رواسب عالقة في دواخلنا. لكنه تمرين فعّال في الأيام الاعتيادية التي نشعر فيها بالملل أو قلة الحيلة. فعندما يرى العقل الابتسامة المرسومة على وجوهنا – والتي غالبًا ما تكون مخزّنة لديه كإشارة مرتبطة بحدثٍ سعيد – يتلقّى الرسالة تلقائيًا على أن ثمة سببًا للفرح، فيمنحنا ذلك الشعور استنادًا إلى أرشيف خبراتنا السابقة.
ولا يمكن إغفال أثر الابتسامة في الآخرين؛ فهي تفتح القلوب، وتمنح شعورًا بالانشراح، تمامًا كما مالت روحي يومًا إلى «تبسّم». ولعلّ في ذلك دليلًا آخر على أهميتها، إذ أوصانا بها رسولنا الكريم ﷺ حين قال: “إنكم لن تسَعوا الناس بأموالكم، فالقوهم بطلاقة الوجه وحُسن البِشر” فلسنا قادرين على إسعاد الجميع بالمال، لكننا قادرون على اجتذاب قلوبهم بالبشاشة، وحُسن المعاملة، وصدق الخُلُق، وفي الابتسامة أجرٌ ومثوبة من الله سبحانه وتعالى.
في ذلك اليوم، لم أترك «تبسّم» تعود إلى عملها قبل أن أطلب صورة جماعية تجمعنا بابتسامتها الجميلة، لتبقى ذكرى لتلك اللحظة التي كُتب لها أن تكون بذرةً لهذا النص، الذي نما اليوم في ساحة “حرملك.”




One Response
furosemide
furosemide