الفراغ الذي صار اسمي

🕓 وقت القراءة: 5 دقيقة

مشاركة المقالة:

 

أمي تقول:

“البيت الحقيقي هو المكان الذي تستطيعين أن تبكي فيه دون أن تنتبهي لدموعك.”

لكنّي، وأنا أكبر في الأزقة الضيقة للمخيم، لم أعرف بكاءً دون انتباه؛ كل شيء كان مرئيًا، مكشوفًا، معلّقًا مثل غسيلٍ لم يجفّ تمامًا. البيوت تعرف بعضها أكثر مما نعرف أنفسنا: صوت وعاءٍ سقط في مطبخ الجيران،

مشية امرأةٍ مستعجلة وفي يدها رغيفان ساخنان، بكاء طفلٍ يختلط بصوت مولّد الكهرباء، ونافذة تهتزّ كلما مرّت عربة ثقيلة. المخيم لم يكن مكانًا، بل عينًا مفتوحة طوال الوقت.

عينٌ تُراقبك، تمتحنك، تحفظ تفصيلتك الصغيرة، حتى تلك التي تظنين أنك خبّأتها في جيبٍ داخلي.

كنت أخجل من قلقي، من خوفي الذي يسبقني مثل ظلٍّ ثقيل، قلبي الذي يدقّ أسرع مما يجب…

لكن كل بنتٍ في المخيم كانت تحمل قلبًا يشبه قلبي، مصابًا باعتلال الشتات:

قلبٌ وُلد كي يركض قبل أن يتعلّم المشي. كان الليل في المخيم هو الليل الوحيد الذي يمكن سماعه.

نسمعه يُسدل نفسه على الصفيح، على الدرج الإسمنتي، على أبواب الخشب الرخيصة.

نسمعه يربّي الخوف فينا كما تربّي الجدّات الشعر في ضفائر البنات.

ومع ذلك، كان هناك شيء غريب: كلما اشتدّ سواد الليل، ازدادت رغبتنا في النجاة،

وكأن الظلام يفتح شهيّة الروح للحياة. أكثر ما أتذكّره هو رائحة الخبز وقت الفجر.

كانت النساء يفتحن الأفران الصغيرة، يُنعمن العجين بأصابع متعبة،

ويغنين بصوتٍ خافت كأنهن يعتذرن عن الجوع. كنّ جميلاتٍ بجمالٍ غير قابلٍ للفهم:

وجهٌ يضيئه الفرن، شالٌ يشتعل بالطحين، عينان مثقلتان بالسهر،

لكنّهما تلمعان كأنهما خرجتا للتوّ من صلاة.

كنت أنظر إليهن وأشعر أنهن يشبهن الوطن أكثر من الوطن نفسه: هشّات، قويّات، طيّبات،

ومصنوعات من صبرٍ يشبه الملح. كبرت وأنا أعتقد أن العالم خارج المخيم سيهبني هواءً أوسع.

لكنني حين خرجت، اكتشفت أن الهواء نفسه يتلعثم في صدري.كنت أمشي بين الناس كأنني أتعلم المشي مجددًا:كيف لا ألتفت كل دقيقة؟ كيف أخفي طباع النجاة التي تعلّمتها؟

كيف أقنع قدميّ أن الطريق الآمن لا يحتاج إلى حذر؟ كنت أراقب وجوههم المطمئنة،

.

الغربة لم تدهشني بقدر ما فضحتني. أظهرت هشاشتي، قلقي، ارتباكي أمام الهدوء.

كنت أتعرّف إلى نفسي من جديد: بنت المخيم، التي تشكّ في حداثة المدن المعلّبة، وتخاف الأمان، وتبتسم قليلًا كي لا تُجرَح كثيرًا

خطواتهم البطيئة، تلك الرفاهية المباغتة في ألّا يخافوا من الباب حين يدقّ.

وأنا…

كان داخلي يحمل بابًا يُقرَع في كل خطوة.

الغربة لم تدهشني بقدر ما فضحتني. أظهرت هشاشتي، قلقي، ارتباكي أمام الهدوء.

كنت أتعرّف إلى نفسي من جديد: بنت المخيم، التي تشكّ في حداثة المدن المعلّبة،

وتخاف الأمان، وتبتسم قليلًا كي لا تُجرَح كثيرًا. ومع ذلك، كنت أشتاق.

أشتاق صوت البائع، رائحة التراب بعد قذيفة، صراخ الجارة التي تلعن الكهرباء،

ذبذبة الأبواب حين تهبّ الريح…

أشتاق ما لا يُشتاق له،

كأن روحي أدمنت الدخان وأصابتها دوخة الهواء النظيف. أحيانًا كنت أرى انعكاسي في زجاج المترو وأتساءل: هل هذه أنا؟ هذه التي تمشي بثقةٍ مصطنعة، بصوتٍ يخفت حين يعلو الآخرون،

بكتفين يحملان ثقلًا لم تطلبه؟ وفي اللحظة نفسها،

كانت رائحة المخيم تندفع من ذاكرةٍ لم أغسلها تمامًا: رائحة خبز الفجر، احتكاك الأجساد في الأزقة،

غبارٌ معلّق بين البيوت كأنه يرفض النزول، وامرأةٌ على الباب تفرك عيني طفلها وتقول له:

“قُم، الدنيا صاحية قبلنا.” كنت أفتقد تلك “الدنيا” رغم ارتباكها. هناك فقط كنت أعرف معنى أن أتألم دون أن أسأل لماذا. في المدن الكبيرة، يصبح الألم مفهومًا جدًا، مرتّبًا جدًا، كأنه جزءٌ من نظامٍ عمرانيٍّ واسع.

أمّا في المخيم، فالألم كان فوضويًا، مباشرًا، يطرق بابك دون مقدمات، ويجلس معك على الأرض كأنه فردٌ من العائلة. ذات صباحٍ بعيد، وأنا في طريقي إلى الجامعة، رأيت امرأةً محجّبة تجلس على حافة الرصيف، ترفع رأسها نحو الشمس المغطاة بضباب القاهرة، وتبكي دون صوت.

مرّ الناس بجانبها كما يمرّون بجانب إعلانٍ قديم على الجدار. في تلك اللحظة، شعرت أن شيئًا من المخيم عاد إلى الهواء: ذلك البكاء الذي لا يخجل من نفسه، لكنه لا يريد شهودًا أيضًا.

اقتربتُ منها، ولم أقل شيئًا. هي أيضًا لم تقل شيئًا. لكنني شعرت أننا بنتان لذات الأم:

أمٍّ لم يلدها المكان، بل ولَدَها الألم. الألم العظيم الذي يربّي الإنسان ويذبحه في الوقت ذاته،

ثم يترك له فسحةً صغيرة—ضيّقة جدًا—ليتعلّم النجاة.

النجاة…

يا لها من كلمةٍ ثقيلة، تُقال برخاوة في المدن الهادئة. كنت أرى النساء يركضن إلى المخابز ويعدن بالخبز الساخن، يضعنه على الطاولة ويقلن: “نجينا اليوم.” نجاة يومٍ واحد كانت كافية لنحتفل، لنضحك،

لنتشاجر، لنتنفّس.

هنا، في غربتي الجديدة، النجاة تأخذ معنى آخر: أن أستيقظ دون خوف. أن أستطيع البكاء دون أن أشرح دموعي لأحد. لكنّي كلما اقتربت من هذا النوع من النجاة، شعرت أن شيئًا منّي يفلت، يتوارى،يتفتّت.

هل يمكن للهدوء أن يكون شكلًا جديدًا من الفقد؟ وهل يمكن للبلد الآمن أن يسرق منك الغريزة التي جعلتك على قيد الحياة كل تلك السنوات؟

أعود إلى بيتي المؤقت في المساء. أفتح الباب ببطء، كأن وراءه احتمالًا غير محسوم.أضع حقيبتي على الكرسي، أخلع حذائي، أجلس على الأرض كما اعتدت في المخيم… ثم أسمح لنفسي، للمرة الأولى منذ أسابيع، أن أبكي دون أن أمسح وجهي. أبكي بصوتٍ خافت، كأنه محادثةٌ سرية بيني وبين شيءٍ لا أعرف اسمه. وفي وسط البكاء،

يحدث شيء غريب:

أسمع دقّةً صغيرة في الحائط،

كأن المخيم يمدّ يده عبر المسافات كلها،

ويتفقدني. كأنه يقول لي: “أنا هنا. لا تخافي.”

أبتسم من بين الدموع. أدرك أن البيت—بيتي الحقيقي—

لم يكن المخيم وحده، ولا هذا المكان الهادئ وحده،

بل ذلك الفراغ بينهما. الفراغ الذي تسقط فيه الروح حين تهرب،

وتنهض منه حين تعود… حتى لو لم تعد تمامًا.

أطفئ الضوء. أستلقي. أغلق عينيّ. ولا أعرف—ولا أريد أن أعرف— إن كنت الليلة أنتمي للمكان الذي أحلم به، أم للمكان الذي هربت منه، أم لذلك الفراغ الغريب الذي صار اسمي.

 

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form