
عن الأسطورة بين التقويض والترويض
خلق كريستوفر نولان شخصية أوديسيوس جديدة متطهرة من سيرتها الهوميرية: فجرده من الذكاء والمراوغة والمكر، وصنع منه إنسانًا تائبًا لا يكتمل تطهره إلا عبر محطات من الصدمات النفسية وجلسات الاعتراف التي يتحرر فيها من سيرته الأولى كبطل حرب طروادة. بل إنه يستنكر خديعته ويصفها كخيانة لتعاليم زيوس وانتهاك لقوانين الضيافة، على عكس ما قدمته أوديسة هوميروس من تمجيد للخدعة وتخليدًا لها، وعبر كل تلك الرحلات يتجلى الأذى النفسي الذي لحق بأوديسيوس، لم يغفل نولان عن هذه المشاعر بل وظفها لتصبح مدخلا للتعاطف معه على طريقة أفلام هوليوود التي تبالغ في الضرر النفسي الذي لحق بالجنود دون التفاتٍ للجبهة الأخرى التي حاربوا فيها وما تركوه من خراب ودمار.
بالفعل يتعاطف المشاهد مع أوديسيوس المشرد والتائه لأنه تماس مع إنسان العصر الحديث في واحدة من أكثر قضاياه حساسية وهي الرغبة في التعافي من صدمات الماضي والتحرر من قيوده وأوهامه والوصول أخيرًا للإنسان المتعافي، إذ لم تعد إيثاكا وطنًا يعود إليه البطل وإنما جعلها لحظة استنارة يعرف فيها نفسه ودوافعه، رغباته وسقطاته ثم يُولد من جديد على أعتابها.
لم يكتف نولان بإعادة تأويل الأسطورة كمروية فقط لكنه أيضا أعاد تشكيل جسدها حين أختار لشخصية هيلين الأغريقية الممثلة لوبيتا نيونغو ذات البشرة السمراء، ولا يمكن اختزال هذا الأختيار في غرض أيدولوجي فقط، ولكن ليمنحها دلالة معاصرة، في النهاية، لن يتأثر جوهر الأحداث بكون هيلين بيضاء أم سمراء، لأن الصراع في الأساس لم يكن على العرق أو الهوية لكنه بهذا الأختيار يمنح الأسطورة ملكية عامة، إذ لم تعد معنىً ثابتًا ولا حكرًا على عرقٍ دون الآخر، بل يمنحها صوتًا عالميًا يستعيده الجميع ويحرره من تحيزات الماضي. أعاد نولان تشكيل الأسطورة التي نشأت في الأساس لتلبي حاجة زمنها وتقدم تفسيرات عن الموت والحياة والطبيعة والفلك والآلهة وتطورت إلى علاقة الإنسان بالموجودات والماورائيات وعلى رغم من اعتمادها على بنية رمزية تتماس مع موضوعات أزلية كالهوية والحنين والحب والعودة إلى الوطن إلا أن طريقة تلقيها تتغير بحسب روح العصر وأيضًا قابليتها لإعادة التشكيل بما يخدم توجهاتنا السياسية والأخلاقية، وهكذا تتحول الأسطورة من أحداثٍ خالدة إلى قماشة مرنة يمكن إعادة تشكيلها مرات ومرات فتمنح أبطالها أصواتًا لم تكن لهم من البداية وأخلاقًا مُستحدثةً على زمنهم وعلى طريقة الفيزيائيين تمنحهم ثقبًا دوديًا يسافرون عبره إلى زمن جديد بذوات جديدة مبتكرة.

منح نولان سيرسي ثقبًا دوديًا لتعبر من خلاله إلى أخلاقيات العصر الحادي والعشرين فبدلًا من أن تكون ساحرةً منفيةً على جزيرة، تُحول البشر إلى حيوانات في سلوكٍ دأبت على ممارسته دون حاجة إلى تفسير وجودي عما وراء الفعل ودوافعه؛ جعلها تسوق مبرراتها الاخلاقية ومنحها صوتًا يُصدر أحكامًا أخلاقية على جنود أوديسيوس حين حولتهم إلى خنازير.
فجنود أوديسيوس في وجهة نظرها كانوا خنازير من قبل خنزرتهم؛ يسطون على البلاد، يشردون الأطفال ويسبون النساء والغنائم، مدفوعين بشهواتهم وغرائزهم.
هنا احتاجت سيرسي لتبرير أخلاقي، فلم يعد السحر هو من يصنع الوحش بل يكشف عنه، وكأن دافع السحر هنا ليس المتعة أو المنحة الخارقة بل العقاب الأخلاقي، رغم أن هوميروس لم يكن بحاجة لهذا التبرير، فأفعال سيرسي تتلاءم مع عالم تختلط فيه الآلهة بالسحر والإنسان والحيوانات، وأيضًا لم يُحمل الخنازير أي استعارةٍ مجازية كما فعل نولان الذي أغلق باب التأويل على معنىً واحد وحصره في الحكم الأخلاقي بدلًا من تركه مفتوحًا على عددٍ لا نهائي من التأويلات وهذا ربما قد يُفقد الأسطورة جزءًا من سحرها.
ربما ما قدمه نولان يجعلنا نطرح أسئلة عن أحقيتنا في تأويل الأسطورة؟ وما الذي نحتاجه إلى إعادة كتابتها؟ وهل حينها سنكون أنقذناها من الاندثار أم أن الزمن نفسه هو الراوي الذي تدخل وأعاد بعثها من جديد؟
تبدو ثنائية الزمن والنص قديمة بقدم الأسطورة وندلل على ذلك بخلود أساطير واندثار أخرى، فلكل عصر رغبته وهويته التي تندمج أحيانًا مع الأسطورة وتتقبلها وأحيانًا أخرى تمحوها وأحيانًا تُعيد تطويعها لتناسب لغة العصر، وإذا طرحنا الأوديسة كمثال حي في القرن الحادي والعشرين سنجد أن منحها صوتًا نسويًا يعزز قدرتها على البقاء كأسطورة وهذا ما قدمته مارجريت أتود في كتابها البينلوبية: إذ أطلقت صوت بينلوبي وخادماتها الاثنتى عشر وجعلتهن الراويات، فتحرك ضوء المسرح من ساحة المعركة بوصفها نقطة العمق إلى الغرف المغلقة كهامش المشهد، لم ترغب أتود في تطهير أوديسيوس أو شيطنته إنما أفسحت الحكاية لأصواتٍ أخرى وجعلتنا نتأمل الأوديسة بصوت المرأة، تقول أتود على لسان بينلوبي :(لم تُعاقب هيلين أبدًا ولا أقل العقاب لم لا؟ ألا تستحق هيلين علقة صغيرة بالسياط مثلا بعد كل ما تسببت فيه من ضرر ومعاناة) فهي كشفت عن أسئلة داخل الأبطال دون أن تُغير الأحداث، فقط منحت الأسطورة صوت امرأة القرن الحادي والعشرين.
تمنح السلطة المؤسسية النص المقدس خلودًا وبقاءً ويحميه الايمان القاطع بيقينه؛ إلا إن إعادة فهمه وطرح الأسئلة عليه يجعله حيًا ومرنًا رغم ثبوته وأزليته، فكل قراءة له مهما تغير الزمن هي إعادة اكتشاف له لأنه يحمل بداخله طبقات متعددة من الفهم، على عكس الأسطورة التي لا تتمتع بأي سلطة مؤسسية ولا حكر على شعب أو عِرق، فتستطيع أتود أن تمنح بينلوبي حق الراوي ويقدر نولان أن يُعيد تشكيل أوديسيوس ويأتي آخر ليمنح سيرسي صوت البطولة، وهكذا يصبح لكل عصر الأوديسة الخاصة به التي تشبه أسئلته ومخاوفه وأخلاقياته وربما لا يكون خلود الأسطورة في قدرتها على البقاء كما هي ولكن في مرونتها لأن تصبح شيئا آخر دون أن تفقد ماهيتها.
وبينما يعبر البطل ثقبه الدودي لا يعود هو نفسه تماما، فالضوء في منتصف الطريق يشكل خطاه، والحكاية تظل دائما تعرف طريقها إلى ايثاكا.



