
كتبت/ نوف الحضرمي
هناك بارود لا يُسمع صوته، ولا يُرى دخانه، لكنه يترك في القلب ندوبًا لا تزول بسهولة. إنه ذلك البارود الخفي الذي قد نصنعه بأيدينا حين نستهين بكلماتنا، أو نؤجل مواجهة أخطائنا، أو نخفي ما يؤلمنا حتى يصبح حمله أثقل من قدرتنا على الاحتمال.
في حياتنا نمر بمطبات كثيرة؛ بعضها يبقى ذكرى عابرة نتجاوزها مع الأيام، وبعضها يظل عالقًا في الذاكرة، يتردد صداه كلما مررنا بالمكان ذاته أو استعدنا الحديث نفسه. وبين هذا وذاك، نتعلم أن لكل تجربة أثرًا، ولكل قرار ثمرة، سواء أدركناها في حينها أم بعد سنوات.
ولو عدنا قليلًا إلى البدايات، إلى طفولتنا الأولى، لوجدنا أننا كنا نخطو خطواتنا ببراءة لا تعرف ما يخبئه الغد. لم نكن نعلم إلى أين ستأخذنا الأيام، ولا أي الأقدار ستطرق أبوابنا، لكننا كنا نسير بقلوب مطمئنة، مؤمنين بأن الحياة تمضي كما كتبها الله لنا.
ومع مرور العمر، قد نفعل أشياء دون أن نتوقف لحظة للتفكير. أحيانًا يأتي القرار سريعًا، كأنه قُدّم إلينا على طبقٍ من استعجال، فنقبله دون وعي، ثم نكتشف لاحقًا أن ثمنه كان أكبر مما توقعنا. وهنا يبدأ البارود الخفي بالاشتعال؛ ليس بصوت الرصاص، بل بصوت الندم، وتأنيب الضمير، والكلمات التي تمنينا لو أننا لم نقلها، والأفعال التي تمنينا لو أننا تريثنا قبل الإقدام عليها.
كثيرًا ما ننسب ما يحدث لنا إلى الحظ، وننسى أن كل شيء في هذه الدنيا يجري بعلم الله وقدره. فما كُتب لنا سيأتينا، وما لم يُكتب لنا فلن تناله أيدينا مهما سعينا. وهذا الإيمان لا يعفينا من مسؤولية اختياراتنا، بل يجعلنا أكثر وعيًا بما نقول وما نفعل.
فالكلمة ليست مجرد حروف تُقال ثم تنتهي، بل قد تكون بذرة خير تنبت في قلب إنسان، أو جرحًا يرافقه سنوات طويلة. وكذلك المشاعر التي نحملها في داخلنا؛ إن غذّيناها بالطمأنينة والمحبة أثمرت راحة، وإن تركناها أسيرة للخوف والغضب والألم، ربما تحولت إلى بارود صامت يستهلك أرواحنا دون أن نشعر.
تخيل نفسك قطعة كعكة ذات ملامح هادئة، تجعلك تستيقظ وتشعر بالراحة، قطعة فنية تلفت النظر بجمالها وتمنحك شعورًا لا يُوصف.
لكن حين تأتي اللحظة التي تُقطع فيها، ينقطع كل شيء… وتختفي ملامح تلك الكعكة الجميلة للحظات.
هكذا هي النفس البشرية… قد تبدو جميلة وهادئة من الخارج، لكنها تحمل في داخلها أشياء لا يراها أحد. قد تخفي تعبًا، أو خوفًا، أو كلمات لم تُقل، حتى يسكن فيها ذلك البارود الصامت دون وعي.
لذلك فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا، ولنزن كلماتنا قبل أن ننطق بها، ولنمنح قلوبنا فرصة للتروي قبل كل قرار. فليس كل ما نُخفيه يختفي، وليس كل ما نصمت عنه يموت.
وبعض أنواع البارود لا تنفجر مرة واحدة، بل تظل تشتعل في أعماقنا حتى نتعلم كيف نطفئها بالحكمة، والتسامح، والرضا، وحسن الظن بالله.
فالرحمة بالنفس تبدأ من كلمة طيبة نقولها لها، ومن قرار حكيم نتخذه في وقته، ومن يقين راسخ بأن الخير سيأتي في موعده الذي كتبه الله لنا



