دروس من الكتابة للحياة 2 “الحياة بالمُسوّدة الثانية”
هل نتغير حقًا أم أننا نُعيد عيش نفس الحياة بنسخ معدلة؟
راودني ذلك التساؤل وأنا أتأمل النسخة التي أصبحت عليها الآن، أقارن بينها وبين نسختي منذ 20 عامًا أو 10 أعوام أو حتى عام واحد مضى، عقود من الزمان مرت من ذلك الوقت المخصص لي في الحياة، لن أفصح بالطبع عن عددها، ليس خوفًا من البوح بعمري الحقيقي مثلما يظن الكثيرون أنه أمر تخشاه النساء، ولكن حرصًا على الحفاظ على تلك اللحظات الممتعة التي أعيشها في كل مرة ألتقي بغرباء لا يعرفون عمري ، لأمارس لعبتي المفضلة في تخمين سني الحقيقي، ذلك الذهول الذي أراه في أعينهم في كل مرة أجيب فيها، يمنحني نشوة لن أحرم نفسي منها مطلقًا.
قادني التساؤل الذي مر بعقلي إلى التفكير في واحدة من أهم الدروس في الكتابة التي تعلمتها في حياتي من الكاتب الأمريكي الشهير ستيفن كينغ، والتي تلقيتها على يد كتابه الشهير “مسيرتي في التأليف”، والذي يعد واحدًا من أهم الكتب التي يجب أن يقرأها كل من يرغب في الكتابة. يقول كينغ باختصار: “أن الكتابة هي إعادة الكتابة” في تأكيد على أهمية فكرة العمل على المُسوّدة الثانية، وعن الفرق بينها وبين المُسوّدة الأولى.
ساعدتني دروس كينغ في تحسين مستوى كتاباتي، ولكن مع الوقت أدركت أن تلك النصائح قد ألقت بظلالها على حياتي، وجعلتني أعيد التفكير في كيف نتغير بمرور الوقت، كيف أصبحنا ما نحن عليه الآن، وكيف لا زلنا في نفس الوقت الشخص نفسه.
اكتشفت أننا نتطور كما يتطور نص كينغ، من المسودة الأولى إلى الثانية، وأننا ربما في تلك العملية نقوم بتطبيق قاعدة حسابية أطلقها لهذا الأمر تقول إن المسودة الثانية تساوي المسودة الأولى – 10%.
مسودة احتاجت لتعديلها تطبيق قاعدة كينغ التي عُرفت بـ”التبريد”، أي الابتعاد فترة عن النص والعودة لقراءته مرة أخرى بعد مرور مدة زمنية تصل عند كينغ أحيانًا لـستة أسابيع.
في الحياة كما في الكتابة، نحتاج لذلك الفاصل الزمني للاستيعاب، وإعادة التقييم لأحداث الحياة ولردود أفعالنا نحوها، وما نحتاج إلى تغييره أو تصحيحه، وما يجب أن يُترك كما هو.
فالمسألة هنا ليست في مداواة الزمن لكل شيء، ذلك القول المعتاد في الأزمات التي نواجهها، ولكن ذلك الفاصل الزمني الذي يجعلنا نرى ما لن نستطيع رؤيته إلا بعد ترك المسافات.
والابتعاد وحده ليس أمرًا كافيًا، ولكن يحتاج إلى ارتداء عدسات عين الغريب، فينصح ستيفن كينغ أن نعزز التبريد والابتعاد بالانفصال عن علاقتنا بالنص، من أجل أن نكتسب رؤية أوسع وأوضح، أن نتحول من فحص الأشجار إلى الرؤية بنظرة أوسع على الغابة بأكملها كما يقول كينغ.
عند تأمل الأمر، ربما نجد أن ذلك ما نحتاج لفعله في الحياة في سعينا للنضج من تجاربنا وأزماتنا، مما فعلناه في أنفسنا أو ما فعله بنا الآخرون، لا يهم ما حدث، بقدر كيف سنعود للنظر إليه لصياغة المسودة الجديدة التي سنحيا بها.
أما أقسى ما يطلب منا كينغ أن نفعله في نصائحه، فهو قاعدة “اقتل أحبائك”، والتي يقصد بها نزع تلك الأجزاء رائعة الجمال من النص إذا ما كشفت عملية إعادة الفحص أنها لا تتناسب مع النص، وربما تتسبب في خفض قيمته وصلاحيته للنشر.
بعضها قد تكون نصوصًا شديدة الروعة والعذوبة، قضى الكاتب وقتًا طويلًا وبذل مجهودًا ضخمًا في صياغتها، ولكن لا بد لها من البتر إذا ما أردنا نسخة معدلة، أكثر جودة وحيوية من المسودة الأولى.
جعلتني تلك النصيحة بالذات أتصالح مع نفسي في كل ما قررت قتله في حياتي وفي داخل نفسي، لإدراكي أنه لا سبيل لنسخة جديدة من المسودة الصالحة للنشر والعيش من حياتي دون أن أقوم بقتل القليل أو ربما الكثير من الأحبة، فأحيانًا تحتاج النجاة إلى القليل من القتل.


One Response
يا صاحبة الحرف …
ما كتبتيهِ ليس تأملًا في التغيّر بقدر ما هو اقتراب من سرّ السير إلى الله …
فنحن لا نُعاد، بل تُعاد صياغتنا في كل لحظة بيد القدَر، {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}.
لكن الطريق أدقّ مما يراه العقل …
فليس كل حذفٍ نجاة، ولا كل بترٍ حياة …
بل الميزان هو ما يُبقيكِ أقرب إلى الله فدعيه، وما يُثقلكِ عنه فخلّيه، ولو كان من أعزّ الأشياء …
والتريّث الذي أشرتِ إليه هو من أدب العارفين …
فإن الحكم على الأشياء في أولها فتنة، وفي آخرها حكمة …
وقد قالوا: “ من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ”…
نعم … نحن مسودّات تتنقّح …
لكن ليس بأيدينا وحدنا، بل بأنوار اللطف الإلهي …
نُحذّب، ونُهذّب، ونُؤدّب… حتى تصير القلوب صالحة للنشر في ديوان القبول …
فارفقي بنفسكِ في التغيير …
ولا تُكثري القتل …
بل تعلّمي كيف تُحيين ما يستحق الحياة، وتُسلّمين ما كُتب له الرحيل …
فالنجاة ليست في أن نُعيد كتابة أنفسنا …
بل في أن نُسلّم القلم لمن كتبنا أول مرة …