عندما طَلبتْ مني صديقتي العزيزة وزميلة الدراسة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، عايدة محجوب، مؤسسة منصة “حرملك”، أن أكتب لها مقالاً، لم أتردد لحظة واحدة في الموافقة. لم يكن ذلك فقط لمكانتها القريبة من قلبي، بل لأن الكتابة لمنصة تجمع بين الثقافة، والمرأة، والإبداع، هي فرصة يجب أن تُحتضن بشغف.
ورغم هذا الحماس الفوري، لم يكن اختيار الموضوع سهلاً. على العكس، كان التردد حاضراً بقوة؛ تزاحمت في ذهني عشرات الأفكار، وكل واحدة منها بدت وكأنها الأجدر بالبداية. فكرت في الكتابة عن المرأة في هذا الزمن المليء بالتناقضات، وكيف يمكنها النجاة من أزماته، خاصة وأن لدي تجربة جعلتني أذوق من صعوبات الحياة ما يكفي لأروي شيئاً صادقاً.
على ضفاف النيل
ولم يتوقف الأمر عند مجرد التفكير، بل بدأ عقلي بالفعل في صياغة مقال كامل.
في طريق عودتي من العمل إلى المنزل، ذلك الطريق الذي أعدّه نعمة خالصة من نعم الله، حيث يرافقني نهر النيل في مدينتي الأقصر، بدأت الفكرة تتشكل داخلي بهدوء. هناك، دون ورقة أو قلم، كانت “آلة كاتبة” خفية تعمل في عقلي.
تدفقت الكلمات واحدة تلو الأخرى، كأنها تعرف طريقها مسبقاً. فجأة، لم أعد فقط أفكر في موضوع، بل كنت أكتب مقالاً كاملاً في ذهني. عرفت ماذا أريد أن أقول، والأهم، عرفت ما الذي قد تحتاج امرأة أخرى، تشبهني، وتمر بأزمة تضيق بها روحها، أن تسمعه.
قبل أن أصل إلى المنزل، كان المقال قد اكتمل تقريباً. شعرت حينها بيقين نادر: هذا ما سأكتبه. وهذا ما سأجلس مساءً، بعد راحتي القصيرة ووجبة أمي الدافئة، لأنقله من رأسي إلى شاشة حاسوبي، ذلك الصديق الذي لا يمكنني الاستغناء عنه.
لكن ما حدث كان مختلفاً.
جاء المساء… ثم مساء آخر… ثم عدة أمسيات، ولم أكتب شيئاً. بدأت الفكرة تتغير يوماً بعد يوم. تارة أقول: لا، ليس هذا ما أريد الكتابة عنه الآن. وتارة أجد فكرة أخرى تبدو أكثر أهمية، وأكثر استحقاقاً لأن تكون بداية ظهوري على هذه المنصة.
وهكذا، تراكمت داخلي موضوعات كثيرة، بقيت حبيسة ذهني، ولم تجد طريقها إلى النور. إلى أن جاءت الفكرة… ولكن بشكل غير متوقع.
سر المهنة: لماذا يجب أن نبدأ من النهاية؟
في لحظة عابرة، لم أكن أفكر فيها في الكتابة أصلاً، وجدتُ نفسي ألتقط الفكرة فجأة. كنت أشاهد “بودكاست” لصديق سبق أن تلقّيتُ على يديه دورة تدريبية مصغرة في الكتابة، وتعلمتُ منه مبدأً بسيطاً، لكنه غيّر نظرتي تماماً:
“الكتابة لا تبدأ من البداية… بل من النهاية.”
كان يرى أنّ على الكاتب أن يعرف كيف سينهي نَصّه قبل أن يشرع في كتابته؛ أن تكون النهاية واضحة في ذهنه:
ماذا يريد أن يقول في السطر الأخير؟
ما الأثر الذي يريد تركه في نفس القارئ؟
تجادلنا كثيراً حول هذه الفكرة في ذلك الوقت، وكان ذلك الجدل سبباً في توطيد معرفتنا لاحقاً. لكن كلماته ظلت تدور في عقلي، ومع الوقت، بدأت أحاول تطبيقها فيما أكتب.
دروس من الكتابة للحياة
مع الاستمرار، اكتشفت أن الأمر لا ينطبق على الكتابة فقط، بل على الحياة نفسها. أدركت أن معرفة النهاية لا تعني التحكم في كل شيء، بل تعني أن نسير بوعي، وأن نعرف وجهتنا، حتى لو تغيّر الطريق. فالسعي الحقيقي ليس عشوائياً، بل هو سعي نحو غاية، حتى وإن لم نبلغها بالشكل الذي تصورناه.
وهنا قد يبدو الأمر متعارضاً مع فكرة التسليم بالقضاء والقدر، لكنه في الحقيقة ليس كذلك. فالإيمان لا يعني أن نسير بلا هدف، بل أن نسعى بوضوح، ثم نقبل بالنتيجة أيّاً كانت.
الأمر ذاته ينطبق على علاقاتنا، وعلى قراراتنا، وعلى كل الطرق التي نسلكها. أن نجهل تماماً إلى أين تقودنا الأمور ليس دائماً حرية، بل قد يكون إهداراً للوقت والجهد… وربما لأنفسنا أيضاً.
لذلك، صرتُ أحاول — قدر استطاعتي — ألا أبدأ شيئاً دون أن أسأل: إلى أين يمكن أن يقودني هذا الطريق؟
وإن اخترت أحياناً أن أبدأ دون إجابة، فأنا أفعل ذلك بوعي كامل، مستعدة لاحتمال التعثر، وقبول كُلفة المحاولة. ربما لا نملك دائماً النهاية، لكننا نملك أن نبحث عنها. وذلك وحده كفيل بأن يجعل رحلتنا أقل قسوة… وأكثر صدقاً.

3 Responses
اتفق معك جملة وتفصيلاً.
أشكرك عزيزتي فاطمة علي القراءة وعلي التعليق وعلي الإتفاق في الرأي ،أثلجتي صدري بتعليقك
https://shorturl.fm/YoCn2