درامــا كويــــن

🕓 وقت القراءة: 6 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتبت/ نهلة كرم


منذ أشهر، بينما أسير في شوارع الزمالك وأنا أنزف، اعتقدت أن تلك اللحظة ستتحول إلى ذكرى سيئة في مكان أحبه، لكنني أمتن لها الآن. فلولا ذلك اليوم، لبقيت عالقة في سلسلة من التأجيلات: تأجيل أخذ الحقن المناعية التي قد توقف النزيف، وتأجيل إنهاء روايتي “دراما كوين”.

كان يومًا غريبًا. حدث حريق تعطلت بسببه ماكينات الصراف الآلي وتطبيقات الدفع. وجدت نفسي أسير في الشوارع دون نقود، وليس في جيبي سوى كارت بنك لا قيمة له يومها. مشيت طويلًا، وبنطالي الأسود يخفي بحر الدماء الذي أغرق فيه. فكرت: “ماذا لو مت؟ من سينهي الرواية؟”

تفكير “متخلف” في وضع كهذا، لكنه حقيقي. الكُتّاب والفنانون عمومًا “غلابة” وساذجون، يظنون أن العالم سيتوقف على إبداعهم. ورغم أنهم يعرفون، في مكان ما داخلهم، أن هذا غير حقيقي، وأن العالم لن يلتفت إليهم أصلًا، إلا أنهم يحتاجون إلى هذه القناعة ليواصلوا الكتابة… والحياة كلها.

 الفكرة علقت في ذهني، وجاءتني تلك الخاطرة: لماذا أؤجل قرار الحقن المناعية التي أخبرني الطبيب أنها آخر حل بعدما فشلت الأدوية؟ ألأنها غالية فعلًا؟ أم لأنني أخشى اللجوء للحل الأخير فيفشل هو الآخر؟ لماذا أخشى أن أُكمل الرواية التي علقت بها لسنوات؟ ألأنني مشغولة فعلًا، والكتابة تحتاج إلى تفرغ؟ أم لأنني أخشى أن أكتب رواية سيئة؟ فيقول من يعرفني: “توقفتِ كل هذه السنوات لتكتبي تلك الرواية الرديئة في النهاية؟”

تأجيل الحقن مطمئن؛ يمكنني دائمًا أن أقول إن هناك حلًا تاليًا سينقذني. وتأجيل الكتابة أكثر راحة؛ لأن الأفكار تظل عظيمة، بل عظيمة جدًا، طالما ما تزال داخل دماغنا. لكنها، على الورق، تبدو عادية… بل وأقل من عادية. لذلك نُفضل أن نقول إن لدينا فكرة، على أن نكتبها ونفسدها، ونجد دائمًا حججًا أنيقة للتأجيل.

في ذلك اليوم، وبعد أن تعبت من المشي بلا جدوى، تذكرت أن معي كارت المترو. كيف نسيته؟ ركبت المترو يومها، وجلست على مقعد المحطة. حين جاء القطار وقمت، أشارت المرأة التي كانت جالسة بجواري إلى المقعد الرمادي الذي بات لونه أحمر. لم تعد دمائي مخفية.

في تلك اللحظة، وفي ذلك اليوم، أدركت أن بداخل روحي أيضًا الكثير من الدماء المخفية. تخرج أحيانًا في غضب، في حزن، في بكاء. دماء لا تحتاج إلى حقن خارجية لإيقافها، بل إلى مواجهة رعبي من كتابة نص سيء. ماذا سيحدث لو أخذت الحقن وفشلت؟ الله وحده يعلم. ماذا سيحدث لو كتبت أسوأ رواية في العالم؟ لا شيء… لن أموت.

ثم من يدري، ربما أجد بداخلي شيئًا يفاجئني، مثل كارت المترو الذي فاجأني وجوده، رغم أنه داخل حقيبتي دومًا.

منذ سنوات، أرسل لي صديق مقطع فيديو لفتاة ترقص على العمود. كنت في تلك الفترة ألعب يوجا، وأنشر صورًا لي وأنا مقلوبة في حصة “الأير يوجا”. أرسله حينها بقصد المزح، وهو يخبرني أنه لا ينقصني سوى الشقلبة على الحائط والعمود. في ذلك الوقت، كانت لديّ فكرة رواية عن فتاة لا يمكنها الشعور بالألم (فريدة حاليًا في “دراما كوين”)، لكنني لم أكن قد وجدت بعد الإطار الذي أضعها داخله.

حين رأيت مقطع الفيديو، علمت أنها ستكون هناك، داخل استوديو لرقص “البول”. لكنني أجلت هذا المشروع… حتى أدخل هذا العالم بنفسي.

كان عالمًا مختلفًا تمامًا عن كل الرياضات التي لعبتها في حياتي. لا يشبه أي شيء جربته. عالم مغلق على النساء اللاتي يعشن داخله. حياة كاملة تحدث داخل الاستوديو. تختبر النساء، خلال ساعة، مشاعر الفرح، والحزن، والخوف، والشجاعة، والقوة، والقيام بعد سقوط، والسقوط بعد صعود، حتى الغيرة والتنافس، والضيق من ضعف اليدين وعدم القدرة على حمل الجسد.

كل المشاعر الإنسانية كانت حاضرة. كنت أُسجلها بعينيّ، أرصدها في عيون الأخريات، وفي قلبي قبلهن. صرت واحدة منهن. أختبر كل المشاعر، وأحفظها داخل روحي… حتى الوقت المناسب لإخراجها.

مثلما كنت أقول لنفسي وقتها، وأمنح نفسي حججًا لعدم البدء: (حتى أتعلم كل حركات الرقص…). أفكار دفاعية مراوغة، يهرب بها الدماغ من لحظة البدء الحقيقية… المرعبة.

في أول يوم لي في الاستوديو، سألتنا المدربة إن كانت أي واحدة تعاني من إصابة أو مرض. من المفارقة أن مرضي المناعي، الذي يُكسر صفائحي الدموية، فيجعلني أسرع واحدة في الإصابة بالكدمات، وسرعة النزيف، وبطء التئام الجروح، أتى بي إلى أكثر رياضة تترك آثارًا على الجسد.

تتلاشى كدمات الأخريات خلال بضعة أيام، وتبقى كدماتي لأسابيع، شديدة الزرقة. كانت أمي تصرخ بي كلما رأتها، وتطلب مني التوقف عن هذه اللعبة (ألهمتني أمي بشخصية والدة فريدة في الرواية).

كنت في البداية أشعر بالضيق، لأنني لست مثل الفتيات اللاتي تختفي كدماتهن بسرعة. تمنيت لو أن جروحي تلتئم بسهولة. لكن، بمرور الوقت، اكتشفت شيئًا: كل كدمة جديدة، زرقاء جدًا، ظاهرة جدًا على جسدي، كانت تُزيل من داخلي حزنًا غير مرئي.

وكأن الحزن كان يغادر داخلي، ويرسم لونه الأزرق على جسدي، ليقول لي: “انظري إليّ بكلتا عينيكِ، ولا تديري بصرك الناحية الأخرى وتنكري وجودي”.

خلال تلك الساعة، التي تتكرر ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع، كان اللون الأزرق يزداد وضوحًا، وكان شيء داخلي يتغير. شيء صار واضحًا جدًا في ذلك اليوم في الزمالك. ربما اعتدت اللون الأزرق، لكنني لم أعتد بعد اللون الأحمر، الذي لوّنت به مقعد المترو الرمادي.

بعد تأجيل سنوات، كنت فيها في عافية وصحة، أكتب فصلًا من الرواية ثم أتوقف، أكتب نصف فصل ثم أتوقف. قلت لنفسي، بعد ذلك اليوم في الزمالك: سأنهي هذه الرواية في ثلاثة أشهر. “إما أن أكتبها الآن، أو لا أكملها أبدًا”، مثل اسم أغنية أحبها لـ Elvis Presley.

كنت أجلس يوميًا في وضع صحي مزرٍ، لا أعرف ماذا سأكتب. لكنني وضعت في رأسي عنوان كتاب أحبه: “طائر إثر طائر”. صفحة إثر صفحة.

تفاجأت وقتها أن بداخلي، وبداخل الجميع، “كارت المترو” الذي ننسى أنه معنا. الكتابة كلها داخلي. يتدفق الكلام كلما كتبت أكثر. الشخصيات يزداد وضوحها مع الكتابة. كلما فكرت في شيء، ظهر أمامي. وكلما تعطلت في شيء، وجدت الحل في جملة عابرة على خلفية “توك توك” أو “ميكروباص”.

حتى أنني، في تلك الفترة، كانت تتردد في ذهني مقولة: “من تفرغ لشيء أوتي سره”، التي عرفتها من أختي ذات يوم. كتبتها منذ عامين لتتقدم بها في مسابقة خط، ومن وقتها وأنا أطلب منها أن تكتب لي لوحة مثلها أضعها أمامي.

وذات يوم، كنت سعيدة بكم الكتابة التي فاجأتني لإحدى شخصيات الرواية. خرجت من غرفتي لأخبرها بأن جملة “من تفرغ لشيء أوتي سره” حقيقية جدًا، فوجدتها قادمة نحوي باللوحة، وتقول لي إنها رسمتها لأجلي.

في تلك اللحظة، ابتسمت .. ودمعت.

وضعت اللوحة أمامي. وكلما شعرت بالخوف، وبأنني لا أستطيع المواصلة، كنت أنظر إليها، أردد كلماتها، وأكمل… حتى أنهيت الرواية في ثلاثة أشهر.

وتوقف النزف.

One Response

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form