لن يُبحر السندباد

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتب / عبّاد حسين

قصة قصيرة: لن يبحر السندباد

عندما عُدنا من منزل جدّي بعد الغداء، قال بابا إننا لن نستطيع الذهاب إلى الملاهي هذا العيد.

بكيت.

قالت ماما إنها ستتصرّف. هذا يعني أنها ستتصل بخالي، وتُرفقنا معهم كلاجئين في المقعد الثالث من “السوبر بان”. لا أحب أن تتصرّف ماما، ولا أن نذهب برفقة خالي وأولاده.

خرج بابا، وهو يرتدي ثوب البيت الرمادي، فلحقتُ به، فتح غطاء محرّك السيّارة، وظلّ ينظر إلى المحرّك ويحكّ رأسه، لم أرَ بابا يومًا يصلح السيّارة. وقفتُ بجانبه، أردتُ أن أساعده إن احتاج الأمر إلى جلب بعض الأشياء من الداخل، لكنه صرخَ فيّ وأمرني أن أدخل كي لا يتّسخ فستان العيد.

نزع أحمد ثوبه، واستلقى بملابسه الداخلية البيضاء الجديدة أمام التلفاز. أخبرته أن يذهب ليساعد بابا، قد يتمكّن من إصلاح السيّارة ونذهب معه إلى الملاهي، لكنه تجاهلني منشغلًا بلعب “السوني”. أخبرني أنه سيشتري أسطوانات جديدة بما جناه من ريالات في العيد، فور أن يفتح دكّان الألعاب الذي في حيّنا. وحين سألته إذا ما كان يرغب في الذهاب إلى الملاهي، قال: “سيارة أبوي خربانة!”

“بنروح مع خالي.”

“مين قال؟”

“ماما.. قالت..”

بينما كنتُ أراقب انعكاسي على شاشة التلفاز، رحتُ أعدّد اكسسواراتي في صورتي التلفزيونية: الأساور، الحلق، السلسال، التاج الذي اشترته ماما، ونفشة الفستان من الأسفل، لكنني شعرت بالحزن عندما أدركت أنني لا أستطيع أن أرى لون الفستان، ولا لون أظافري التي صبغتها لي خالتي، ولا حتى لون الروج.

تحدّث أحمد عن المزايا التي تفتقدها لعبته الحالية وتمتاز بها النسخة المطوّرة التي يود أن يشتريها، كما لو أنه نسي الملاهي، أو لا يرغب في الذهاب. تركته يكمل لعبه، وتعلّقت بالنافذة أراقب بابا، لكنه سرعان ما دخل، مضى إلى غرفته مباشرةً دون أن ينظر إلينا، حاولت الالتصاق بباب الغرفة، لم أسمع سوى كلمات متناثرة، مثل: “مب ناقصين مصاريف زيادة.. دبريها الله يرضى عليك.”

خرجت ماما مبتسمة، لم تنزع زينتها ولم تبدّل فستانها، طلبت منّا الهدوء لأن بابا سينام، ثم تناولت الهاتف. نظرتُ فرحةً إلى أحمد، وقلت له: “بنروح مع خالي، قلت لك!” لم أسمع ما قالت ماما في البداية، كانت عاقدةً حاجبيها ولم أفهم لماذا، ثم ابتسمت وقالت: “الله يعطيك العافية ياخوي.. أجل الساعة أربع بتروحون؟ ومتى بترجعون؟”

أغلقت الهاتف ودلفت إلى المطبخ.

قررتُ أنني لن أبدّل فستاني كي أكون جاهزة للخروج، ماما كانت مبتسمة عندما أغلقت السماعة، هذا يعني أننا سنذهب، لكنني انتبهت إلى الساعة وهي تشير إلى الرابعة، أوشكتُ على البكاء من جديد، وسألت: “تتوقع بنروح الملاهي؟”

“قلت لك سيّارة أبوي خربانة!”

“أقصد مع خالي..”

“شيدريني أنا؟”

بينما كنت أحبس دموعي، قلت بصوتٍ مخنوق: “بس أكبر وأصير غنية بشتري لبابا سيارة جديدة ما تخترب.. وبشتري ملاهي السندباد وبلعب فيها بس أنا!”

“من وين بتجيبين الفلوس؟ بتقعدين في البيت نفس ماما، وبابا بيعطيك الفلوس!”

قبل أن تصعد إلى الأعلى، وضعتْ ماما علبة جالاكسي جواهر على الطاولة التي أمامنا، كما لو أنها غير محرّمة علينا، وكأنها لا تهتم إذا ما أكلناها جميعها، نظر إلي أحمد وابتسم، بينما كنت أنظر إليه مستغربة.

أطفأت ماما شاشة التلفاز على أحمد، فطرنا من الفرح، وصحنا معًا: “هيييييييي! يس!” قالت: “شارية لكم بازل سندباد، شرايكم نركبها الحين؟”

كنّا صامتين.

وبنبرة أقلّ هدوءً وتحفظًا، قالت: “هيييي.. يس!”

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form