جلست تفترش حصيرًا، بجوارها جرة ماء، وصينية بها بقايا طعام، تضع إناءً على نار أوقدتها ببعض أخشاب الأشجار الجافة؛ لتحتسي كوبًا من الشاي. استندت إلى جذع شجرة التوت التي آتت أكلها، وازدادت أوراقها اخضرارًا، فألقت بظلالها على المكان الفسيح، وامتلأت الأرض بحبات التوت المتناثرة. كان الجو بديعًا جعلها تشعر بسلامٍ يتسلل إلى داخلها؛ فأسدلت جفنيها وأخذت نفسًا عميقًا، ملأت به رئتيها هواءً نقيًا. كررت ذلك وكأنها تريد الانفصال عن واقعٍ مثقلٍ بتحدياتٍ لم تكن قسوتها في ذاتها، بل في روحٍ أنهكها الاحتمال. فقد عاشت ريم مع زوجٍ زاد روحها تعبًا، وهي التي كانت ترنو لحياة تجد فيها عوضًا عمّا قاست، وحبًا يمحو معاناتها، وتمنت فقط من يربّت على قلبها المتعب.
امتلأ جسدها بالهواء فصفا ذهنها، وكان ذلك كأنها تذكرة سفر حملتها إلى رحلة عبر الذاكرة. تداعى سيل أفكارها ليأخذها إلى طفولتها البريئة، حيث استمتعت بكل لحظة. ظلت ريم على هيئتها مستندة إلى الجذع، مسدلة الجفنين، وعلى شفتيها ابتسامة خفيفة وهي تستعرض شريط ذكرياتها: كم جرت حافية القدمين تحت زخات المطر، لا تهتم إلا باللعب في برك الماء، وسباق تسلق الأشجار مع أخواتها، حتى تنام على كومة من الرمال من شدة التعب بعد يوم لهو طويل. ترعرعت مدللة في كنف أبيها، آمنة القلب.
تتابعت الذكريات حتى وصلت بها إلى اليوم الذي رأت فيه فؤاد، ذلك الشاب الأسمر مفتول العضلات، لا بالطويل ولا بالقصير، يعلو وجهه شارب يوحي بالرجولة والثقة. غير أن عمق عينيه كان السر الذي شدّها بلا تفسير. كان اللقاء نقطة فاصلة في حياة ريم، وبداية فصل جديد.
في الصباح الباكر استيقظ الجميع، واستعد الرجال والشباب لصلاة العيد. امتلأ المكان بالبشر والفرح. تهيأت ريم وأخواتها وارتدين أجمل الثياب، وطلبت ريم من أخيها الأكبر أن يصطحبهن إلى المدينة القريبة للاحتفال، إذ كانوا يقطنون مكانًا صحراويًا بعيدًا. وافق الأخ، وأخبرهن أنه سيمر على صديق له ليعايده.
عاشت ريم أجمل لحظات الحب، ولم تنسَ يوم همس لها:
– لأول مرة أشعر أنني مغمور بالسعادة.
فرحت الفتيات، وانتظرت ريم توقف السيارة دون جدوى، حتى وصلوا المدينة. وبينما كنّ مستمتعات بأجواء العيد، توقف الأخ فجأة أمام منزل، ونزل ليستأذن دقائق. عاد يتبعه شيخ كبير حيّاهن وعايدهن، ثم أصرّ على دخولهن المنزل.
نزلت ريم وأخواتها، وعدّلن هيئاتهن أمام مرآة السيارة. كان المنزل ذا حديقة صغيرة منظمة، يوحي بالبساطة والاهتمام. دخلن غرفة الضيوف، ولاحظن عدم خروج نساء المنزل، مما زاد خجلهن.
لم تعلم ريم حينها أن تلك اللحظات كانت تنسج خيوط قصتها. جلست مقابل الباب، وبعد قليل مرّ أمامها فؤاد حاملًا اسطوانتي غاز. تقاطع نظرهما، فارتبك كيانها، واستقر شيء ثقيل ودافئ في قلبها.
لم تفهم شعورها آنذاك، لكنها أدركت أن شيئًا تغيّر. رحّب فؤاد بالجميع، ولم ينتبه كثيرًا لكثرة الفتيات. لم يطل اللقاء، واستأذن الأخ بالمغادرة.
خرجت ريم بقلبٍ يخفق على غير عادته. اقتربت من أختها مرام وأخبرتها بما شعرت به. ابتسمت مرام بدهشة:
– من أول نظرة يا ريم؟
تساءلت ريم في سرّها عن حب النظرة الأولى، ثم قطعت مرام أفكارها:
– يبدو متزوجًا، يكبرك كثيرًا.
لكن ريم تشبثت بإحساسها، وردت بثقة:
– لا، ليس متزوجًا… أشعر أن للقدر شأنًا بيننا.
غرقت ريم في ذكرياتها، وقررت أن تعرف عنه أكثر. وبحديثها مع أخيها علمت أنه غير متزوج ويبحث عن عروس. امتلأت روحها أملًا، وتقاربت الأسرتان سريعًا، وتقدم فؤاد لخطبتها.
عاشت ريم أجمل لحظات الحب، ولم تنسَ يوم همس لها:
– لأول مرة أشعر أنني مغمور بالسعادة.
تعلقت به أكثر، ورأت فيه ملاذها الآمن. لكن الغيرة والوشايات بدأت تحاصرها، وكثرت الخلافات بين الأسرتين. حاول فؤاد تعجيل الزواج، إلا أن الدراسة والضغوط حالت دون ذلك، حتى افترقا ليهدأ الصراع. انتهت القصة، وبقي الوجع. أصبحت ريم ذات العشرين جسدًا بلا روح. زاد ألمها فراقه دون وداع، فبقيت معلقة به عمرًا كاملًا. حاولت النسيان فلم تستطع، فجمعت ذكرياتها وخبأتها في صندوق القلب. لم تحنق عليه يومًا، بل كانت تدعو له، وتتخيله في عالمٍ أنقى. عشقت روحه لا جسده، فدام الحب رغم الغياب.
انشق قلبها نصفين: نصف يعيش الواقع، ونصف غارق في الماضي. فكانت ابتسامتها ناقصة، وفرحتها مبتورة.
-أين أنتِ يا أمي؟
شق صوت صبا، ابنتها الكبرى، الصمت. انتفضت ريم، مسحت وجهها، واستعادت أنفاسها.
– تعالي يا صبا، أنا هنا.
احتضنت ابنتها بقوة، كأنها تتشبث بالحياة من جديد، وعادت إلى واقعٍ لا مفر من العيش فيه… والرضا به.

5 Responses
fluconazole 200 mg oral tablet
fluconazole 200 mg oral tablet
tetracycline antibiotics for uti
tetracycline antibiotics for uti
generic for zoloft
generic for zoloft
metoprolol er
metoprolol er
morgidox
morgidox