
لديّ غرفة بلا نوافذ، والغريب أن تعليمات السلامة اليوم تقول إن علينا الاحتماء في غرفة بلا نوافذ حين سمعت ذلك ابتسمت قليلًا. لأنني أدركت أنني أعيش في واحدة منذ سنوات.
عزيـزتي/ أنـا في المستقبل،
أتمنى أن تكوني الآن بحالٍ أفضل من حالي، وبنسخة أكثر طمأنينة مني. أكتب إليك اليوم عن الهجمات المباغتة التي لم أفهم إلى الآن سببها، هذه الهجمات تحدث بين دولتين، وحظنا العاثر أوقعنا جغرافياً بينهما. ولا أدري لماذا أُقحمنا في حربهما. صدقاً لا أعرف، نحن فقط نقع بين حربين، لماذا تُطلق الصواريخ علينا. حين بدأ إطلاق الصواريخ المتفجرة كانت إحدى تعليمات السلامة أن نبقى في غرفة بلا نوافذ.
ولو سألتِ: ومن يمتلك غرفة بلا نوافذ؟
سأجيبك: أنا.
فأنا أسكن واحدة منذ زمن، ربما منذ عام 2020. حين بدأت الأزمات والكوارث تتوالى، واجتاحت العالم نوبات الهلع. الأخبار لا تتوقف، الأرقام تتصاعد: إصابات، وفيات، أمراض، أوبئة، وجائحات. حينها قررت أن أعزل نفسي عن كل ذلك الجنون. أن لا أتبع الجموع في هلعهم، ولا أراقب الأحداث لحظة بلحظة. وهكذا عشت في غرفة بلا نوافذ على العالم الخارجي. في معزلٍ عن الكل. أنا وأفكاري فقط. كان الأمر مريحًا جدًا… ومزعجاً جداً في الوقت نفسه، ترين هلع الجميع، لكن هذا الهلع لا يصل إليك. تسمعين بعض قصص الأحداث بالصدفة، فتشعرين وكأنها قادمة من كوكب آخر. كأنك تعيشين في عالمٍ موازٍ، عالمٍ وردي لا يعكّر صفو أزهاره شئ، فالأصوات التي أسمعها ليست مخيفة: صوت بابٍ يُغلق بقوة، صوت شاحنة تمر، طائرة مدنية منخفضة لأن الجو مضطرب في الأعلى، أو أعمال صيانة عند الجيران. كلها أصوات مألوفة اعتدنا سماعها. فلماذا الهلع الآن؟ ربما أدركت بعضًا مما يخشاه الناس، لكن هذا الخوف لم يصل إليّ. فأي صوتٍ قوي يهز النوافذ قد يكون صوت صدِّ صاروخ العدو، لا صوت صاروخٍ انفجر على الأرض. فلِمَ الهلع؟ لدينا رجالٌ كفو، وقائدٌ كفو. جعلوا من أنفسهم دروعًا بشرية ضمانًا لسلامتنا.
لم يتبقَّ من رمضان إلا أيامٌ معدودة، وكل ما علينا الآن أن ندعو الله أن يحفظ جنودنا بعينه التي لا تنام، وأن يسدّد رميهم. وأن يجعل هذا البلد سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين، وأن نبقى على يقين بأن للأرض ربًّا يحميها، وقد سخّر لها من عباده جنودًا يحرسونها، فلا داعي للخوف … ولا حاجة له.
أنا في المستقبل
أعرف أنك الآن هانئة مستقرة.
لقد انتهى كل شيء.
وعادت البلاد سخاءً رخاءً من جديدة، والحمد لله رب العالمين.




3 Responses
احببت فكرة انتـ في المستقبل
استمري نوره
رائع صديقتي نورة .. أبدعت ..
نص يحمل الكثير من الأمل والسلام .. هناك في المستقبل
نعم للارض رب يحميها وقائد وجنود تفديها . سلم قلمك عزيزتي نورة نستشرف المستقبل بكاتبة مبدعة اسمها نورة