مونولوج الجميلة

🕓 وقت القراءة: 3 دقيقة

مشاركة المقالة:

كتبت/ فــوز أبـو سنينة

كم أنا جميلة!

هكذا فكّرتُ وأنا أجلس أمام مرآتي أتزين وأتحضر لأخرج للعشاء برفقة زوجي ومجموعة من أصدقائنا.. أنا جميلة حقاً بهذا الفستان الأحمر القصير الذي يغطي ركبتيّ على استحياء، ويعانق جسدي المسكوب في كماله عناق عاشق متيّم.. فتحة صدره التي ترسم الرقم ٧ تُظهر بياض جيد مصبوب كاللؤلؤ يزينه عقد ماسي على شكل قلب نابض بالحب..

 هل عندك شكّ أنك أحلى وأغلى امرأة في الدنيا..

هل عندك شك..

وأهم امرأة في الدنيا..

هل عندك شك..

رحت أدندن هذه الأغنية بينما أضع المكياج على وجهي.. فهي تشعرني بأنوثتي، وكأن الكلمات تتسلل إلى روحي وتلامس كل زاوية من جسدي.. تلامس وجهي المضرج بالمساحيق التي تضيف إليه لوناً وردياً يشي بالصحة والراحة.. وتمسح على شعري الذي صففته على شكل حلقات عريضة ليرسم ملامحي التي تعبق صبا وحيوية..

سنتعشى الليلة في المطعم الفخم في أعلى برج في المدينة على ضوء الشموع، بينما تتماوج تحتنا الأضواء منتشية بالليل الصاخب والفرح والضحكات.. سنأكل على مهل.. نمضغ الطعام بلذة وكأن أمامنا الليل بطوله وعرضه.. سنتحدث ونضحك كثيراً.. سيغازلني زوجي بكلمات الحب يهمسها في أذني لأحمر خجلاً.. ثم سنرقص على عزف العود ووقع الأغاني الطربية الجميلة.. سأخطف الأنظار أينما درتُ وتلفّتُ.. وسأفرح في أمسية بديعة لا يشغلني فيها بال ولا تجتاحني فيها مسؤولية..

كم أنا جميلة باللون الأحمر.. أبدو كآلهة الحب، إذ يشع من عيني نور لا يملكه سوى الآلهة.. أضع العطر على رقبتي، أداعبه على معصمي وخلف أذني وأصبحت أخيراً جاهزة للخروج.. جميلة.. متألقة.. فاتنة ومرحة..

آه إنه زمور السيارة.. لقد وصل زوجي.. سآخذ حقيبة يدي وأنزل إليه حالاً.. أسمع صوت بوق السيارة يعلو.. ثم يتحول فجأة إلى صراخ حادّ يشق سكون الليل..

انقطع مونولوجها فجأة على صوت بكاء طفلها ذي الأسبوعين.. اقتربتْ من سريره الصغير ناعسة، وحملته بين ذراعيها بلطف.. ألقمته ثديها لينهل من روحها ما يشبعه، بينما تنسدل عيناها نصف مغمضة وهي تسمع صوته النهم وهو يشرب ماء الحياة التي تتسرب من قلبها إلى قلبه في دقات متناغمة.. شعرت بفمه الصغير ينفتح ويطلق سراحها بعد أن عبّ من حنانها كفايته.. حملته برفق، ومشت تهدهده يميناً ويساراً في رقصة متعبة تجوب فيها أرجاء الغرفة وهي تضمّه إلى صدرها، وتربت بحب على ظهره الصغير بكفّها الناعمة.. مشت حتى قادتها خطواتها النعسة إلى المرآة الطولية على الحائط.. تسمرتْ أمامها ورأت انعكاسها فيها وهي ترتدي ملابس النوم التي بهتت ألوانها، وشعرها الذي كان قد هرب نصفه من الربطة المطاطية التي تسكن في مؤخرة رأسها.. عيناها حمراوين شاحبتا الجفنين.. وشفتاها الفاترتان ترددان بحب وبصوت خافت أغنية “يلّا تنام ريما.. يلّا يجيها النوم” في لحنها القديم، المألوف، الهادئ.. الذي تتوارثه البنات عن الأمهات والجدات..

تهدل جسدها المشدود.. تتشبث ذراعاها بهذا المخلوق الصغير الذي لا يتعدى طوله النصف متر، يعلو رأسه الدائري في كماله زغب أصفر خفيف.. هدأتْ أنفاسه وزفر تنهيدة كلها سعادة لا يفقه بعد معانيها.. شعرتْ بإحساس باهر يغمر قلبها بدفء غريب.. أمعنتْ النظر في المرآة أكثر على ضوء الفجر الذي بدأ يزحف إلى الداخل وهي تتأمل هذه الصورة الماثلة أمامها بتعبها وإرهاقها وهرموناتها المتصارعة في جسدها المنهك وهمستْ:

  • كم أنا جميلة..

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form