سالينجر الذى أصابنى بالجنون وعلّمني الصدق

🕓 وقت القراءة: 4 دقيقة

مشاركة المقالة:

دروس من الكتابة للحياة ٣

ما أقصى ما يمكن أن يجعل كاتبًا يطير من السعادة؟

ما هو الحلم الذي يراود كل من ظل لسنوات ينتظر اللحظة التي سيحصل فيها على لقب كاتب باعتراف جماهيري؟

أليس تهافت القراء وإشادات النقاد وبالطبع حديث البوكتيوبر في هذا الزمان هو قمة ما يحلم الكاتب بالوصول إليه

ماذا لو أخبرتك أن هناك كاتبًا ترك كل هذا بمحض إرادته بعد أن حقق نجاحًا واسعًا ليتخذ قرارًا بأن يتوقف تمامًا عن نشر أي شيء مما سيكتب

لا عزيزي القارئ هذه ليست مقدمة تشويقية لرواية من روايات غيوم ميسو بل هي القصة الحقيقية لواحد من أهم الأدباء الأمريكيين الذي أصبحت روايته الحارس في حقل الشوفان الصادرة عام ١٩٥١ واحدة من أفضل ١٠٠ رواية صدرت في القرن العشرين إنه الكاتب الأمريكي جيروم ديفيد سالينجر

حققت الرواية نجاحًا كبيرًا وتحول بطلها هولدن كولفيلد إلى رمز لجيل كامل من المراهقين الأمريكيين وكان المتوقع أن يدفعه هذا النجاح إلى نشر المزيد من الأعمال ومواصلة الصعود على سلم الشهرة الأدبية

لكن سالينجر اختار طريقًا مختلفًا تمامًا ورفض إجراء المقابلات الصحفية وابتعد عن الأضواء وانسحب تدريجيًا من الحياة العامة ومع مرور السنوات أصبح واحدًا من أكثر الكتّاب غموضًا في العصر الحديث

في الفيلم المأخوذ عن قصة حياته يقدم لنا المخرج تلك اللحظة التي أعلن فيها سالينجر عن قراره في حوار دار بين سالينجر وأستاذه في الأدب ويت بورنيت

قال سالينجر ألم تقل لي إنني حتى أكون كاتبًا بحق علي أن أكون مخلصًا للكتابة فقط إلى الحد الذي يجعلني مستعدًا للكتابة دون أن أنشر ما كتبت

قرار سالينجر الصادم والجريْ

نعم عزيزي القارئ لقد اتخذ سالينجر قرارًا بألا ينشر أيًا من أعماله مرة أخرى وأن يكتفي بالكتابة فقط

بالطبع انفجر بورنيت غاضبًا في وجه سالينجر من ذلك القرار المجنون وأغلب الظن أن بورنيت ندم أشد الندم على تلك النصيحة فيما بعد

أدخلتني قصة سالينجر في متاهة مطولة بيني وبين نفسي حول معنى قراره الجريء كيف يمكن لإنسان أن يتنازل عن معنى نجاحه واستحقاقه

هل يمكن أن يتخلى إنسان عن الشهرة والمجد عندما تكون قد بدأت في فتح أبوابها إليه

إن المثير لدى سالينجر بالنسبة لي ليس فقط قراره بعدم النشر ولكن سبب ذلك القرار وتوقيته فهو لم يكن قد وصل إلى مرحلة الاكتفاء من العمل والعطاء والنجاح والشهرة والأضواء وليس هذا فحسب بل إنه قرر الانعزال تمامًا وأن يعيش هو وقلمه بعيدًا عن الأضواء وعن كل مغريات الحياة لقد تحول سالينجر إلى راهب في محراب الأدب راهب لا يسعى لإرضاء أي أحد أو نيل أي استحقاق

الصدق آخر تعريفات النجاح

منذ اللحظة الأولى التي تعرفت فيها إلى سالينجر وقصته وأنا أحاول الوصول إلى عمق وجوهر ما فعله ففي الوقت الذي أدرك أن ما فعله هو قمة الجنون إلا أنني أدركت أيضًا أنه قمة الصدق إنه ذلك النوع من الصدق الذي لا يجرؤ الكثيرون على امتلاكه فهو صدق المؤمن حقًا بما يفعل

وجدت نفسي رغمًا عني أفكر في كافة معاني الإخلاص الحقيقي لما نؤمن به حقًا لما نحن على استعداد لتقديمه أو للتنازل عنه حتى يمتلك عملنا صفتي الصدق والإخلاص

لقد استطاع سالينجر أن يمنحني تصالحًا مع أسوأ ما مررت به من تجارب في الحياة

عن صدق وإخلاص قدمته وجدت مقابله أسوأ أنواع الغدر والخذلان

عن ذلك التساؤل الذي يدور بيني وبين عقلي في كل مرة أجد نفسي فيها في موضع عطاء ربما قد يكون بلا مقابل على الإطلاق وربما يحدث الأسوأ ويكون مقابله مزيدًا من الخذلان

استطاع سالينجر أن يجعلني أعيد النظر فيما أكتب وكيف أكتب وأن أسأل نفسي كل مرة هل كل ما تكتبينه حقيقي

هل هذا حقًا ما تريدين أن يعرفه العالم بقلمك

أما أهم ما منحني إياه صدق سالينجر فهو إدراكي بأن تلك اللحظات التي انسحبت فيها من الحياة إلى داخل نفسي وقررت ترك أشياء يراها العالم بأجمعه نجاحات وانتصارات لم تكن لحظات هزيمة بل كانت أكبر انتصارات لي على كل ما يحاول العالم فرضه علي من قوانين للنجاح لا تناسبني ولا تشبهني

أشكره لأنه ساعدني أن أدرك أنه من حقي أن يكون لي تعريفي الخاص للنجاح وأن الإنسان قادر على مقاومة إغراء كل النجاحات غير الأصيلة التي يصفق لها الجميع يمينًا ويسارًا وهو يعلم جيدًا في داخله أنها انتصارات منزوعة الصدق

وعلى الرغم من ذلك الانسحاب الذي قرره سالينجر واكتفائه بكونه القارئ الوحيد لأعماله إلا أن الحياة لم تبخل عليه بنصيبه من النجاح فنجح سالينجر بصدقه أن يكون واحدًا من أهم الروائيين الأمريكيين

لقد أكد لي سالينجر أن الصدق سيظل دائمًا هو النجاة وأن الله سيكافئ الصادقين بصدقهم حتى لو لم ير الناس أعمالهم

ألا يكفي أن الله وحده قد رأى كل شيء؟

ألا يكفي أن يكون الصدق وحده هو النجاح؟

One Response

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form