كتبت / ريتا فايز
أقبلت مهلِّلةً مستبشرة، دفعتْ الباب بقوة حتى كاد يزعق، نفضتْ جسدي المُلقى بإهمال على سرير يشغل زاوية الغرفة.
يا إلهي كم مرّةً قلتُ لها: لا تدفعي الباب بعنف، لا تجعليه يستصرخ؟
شرحتُ لها علاقتي به؛ نعم هو ضخمٌ ثقيل، لكنه يمنحني حريةً من نوعٍ خاص. متى شئتُ شرّعته وخرجت، ومتى شئتُ أغلقته وتقوقعتُ على ذاتي. تحمّل طفولتي ولوحاتي المبعثرة عليه ولم يشتكِ. كنتُ أرسم الشمس مشرقةً، والفتاةَ بفستانها جميلة. لا أدري لماذا يجب أن تبدو الفتاة جميلةً دومًا؟!
أيقظني صوت أمي من شرودي. كانت تغمر أرض الغرفة بفرح أثقل من خطواتها. أفلتتُ شفتاي المنطبقتان بصعوبة وسألتها:
– ماذا هناك؟
ابتسمت وجلست قبالتي:
– أم حسن، أتذكرينها؟ التي بيتها على سفح الجبل؟ أحضرت لكِ عريساً.
نظرتُ إليها، لكنها واصلت حديثها متجاهلةً دهشتي:
– أعلم أنكِ لن تستسيغي كلمة “أحضرت”، استبدليها بما شئتِ من قاموسك، لكن اسمعيني. الشاب يعمل في الكويت. في الكويت يا ابنتي! لديه سيارة فارهة وبيت جميل. ماذا تريد الفتاة أكثر من ذلك؟ سيوفّر لكِ كل ما تحتاجين. غداً سأشتري لكِ فستانًا زاهي الألوان، مفصّلا قليلا على جسدك “قليلًا فقط”، وسأجلب بعض مساحيق التجميل. ضعيها ليشرق وجهكِ، ويختفي عبوسك.
فستانًا مفصّلًا؟ تساءلتُ بيني وبيني بحنق شديد!
ألم تخبريني أن جسدي عورة، وأن عليّ ستره بالفضفاض؟
ألم تهمسي لي، مذ رأيتِ قطرات الدم الأولى، أنني أصبحتُ عورة؟
جسدي عورة لا أُظهره،
صوتي عورة لا أرفعه،
فكري عورة لا أُنميه.
فلماذا الآن تريدينني أن أُظهر الجسد الذي أخافه؟ أخشى خدشه، وأخشى أن أُجلد بسببه. انظري يا أمي إلى وجهي؛ لم تلفحه شمس أيّار ولا تموز. انظري إلى عينيّ؛ تصيران أجمل حين أبكي. انظري إلى شفتيّ؛ مطبقتان دومًا، لأنكِ أنتِ من علّمني إطباقهما حتى نسيتُ صوتي.
كبرتُ يا أمي. صرتُ امرأة.
وعليّ أن أواجه شحوب العالم وحدي.
صرتُ لعنةً على أبي وأخي، يجب أن تُوارى.
صرتُ غشاءً ينبغي ألّا يُخدش، وإلّا سال الدم وصرتُ عارًا وثأرًا.
تجاهلت هواجسي، هزّت كتفي بقوة وقالت:
– اسمعيني. إن جاء العريس سأغمز لكِ لتحضّري القهوة، وتأكدي أن تكون شهية. إن سألكِ، اخفضي صوتكِ، لا تضحكي، لا تُظهري أنكِ تقرئين الكتب. الرجال لا يحبون القارئات. أظهري مهارتكِ في المطبخ، ورغبتكِ بطفلٍ يسند أباه ويحمل اسم العائلة. شعركِ طال، وهذا جميل. الرجال يحبون الشعر الطويل. اتركيه منسدلًا كشهرزاد. ستغدين عروسا، أتدرين معنى ذلك؟
أعلم يا أمي.
سألبس الأبيض، ستغنون لي، ستباركونني.
ومساءً سيُستباح جسدي.
سأصير من ممتلكاته الخاصة.
سأغدو شرفه وسمعته، وستنتقل ملكية العورة إليه.
سيكون عمري هدية حب أقدّمها له. سأبكي، وعليّ ألا يرى دموعي كي لا يعكّر صفوه. عليّ ألا أشكو، ألا أتذمّر. عليّ أن أكون “جيدة”. وجيدة تعني: صامتة، مسالمة، خافضة البصر عن كل ما يؤذيني.
سيهبني الشقاء بجرعات حب، وينصب مقصلتي إن فكرتُ يومًا في الثورة.
سأعتزل كتبي وموسيقاي وفسحتي الصغيرة. سيخطط يومي، وأنفّذ.
سأحنّ إلى كائناتي الهامشية التي صنعت مجدي الخفي.
سأنجب له الأطفال، وسيقف مزهوًا بجمالهم، بقوة جيناته، بنقائه المزعوم.
ومساءً سيزرع في رحمي ما يشاء، وليس لي أن أعترض.
سأخبو يا أمي.
سأمشي نحو قبري ببطء.
وحدها المرآة ستعرف وجعي، وحدها تجاعيدي ستعدّ خساراتي.
أنا امرأة تحب المرآة وتكره التجاعيد.
أنا امرأة، يا أمي، تريد شعرها قصيرًا.




8 Responses
يلامس هذا المقال جرحًا عميقًا تعيشه كثير من النساء في مجتمعاتنا؛ حيث ظلّت الفتاة، في حالات كثيرة، تُعامل كأنها عنصر ثانوي داخل أسرتها أو في بيت زوجها، لا كما كُرّمت في جوهر الدين الإسلامي الذي أوصى باحترامها وإنصافها، بل كما صاغتها أعراف اجتماعية قاسية.
هذه الأعراف، التي اكتسبت صفة “التقاليد”، كثيرًا ما ابتعدت عن روح الدين، وقيّدت الأنثى بقواعد صارمة صُنعت باسمها لا بروحها، وباسم الفضيلة لا بعدلها. والمشكلة ليست في الدين، بل في قراءات بشرية متحيّزة حوّلت القيم إلى قيود، والكرامة إلى عبء.
لذلك، يأتي هذا المقال كصوت واعٍ يذكّرنا بأن إنصاف المرأة ليس فكرة مستوردة، بل حق أصيل شُوّه حين اختلطت التقاليد بالتفسير، والسلطة بالوصاية.
reglan injection
reglan injection
ivermectin for horses
ivermectin for horses
dutagen
dutagen
lansoprazole brand
lansoprazole brand
generic doryx
generic doryx
flagyl for uti
flagyl for uti
xenical orlistat prescription
xenical orlistat prescription