ماريا إجناثيا شولتس

🕓 وقت القراءة: 5 دقيقة

مشاركة المقالة:

ترجمها عن الإسبانية/ أحمد نور الدين رفاعي

برلين، 14 أبريل 2007

أبي

مرَّت سنة كاملة اليوم على رحيلك، دون أن تمنحني فرصة لأودعكَ. طوال هذه الأيام ظللتُ أتساءل لماذا فعلت ذلك، وأنا ابنتك المُدللة التي تستشيرها حتى في لون الطلاء الجديد الذي سيُضاف إلى واجهة المنزل؛ تلك التي تُفضل أن تشاركها بضع زجاجات بيرة كل أحد، جالسين تحت أشجار الغار العظيمة التي لم تستطع أي عاصفةٍ استوائية أن تقتلعها؛ التي تُمسك بيدها وتأخذها معك في ألفِ جولةٍ في قلب المدينة، لتُعرِّفها بهذا الصديق وذاك، ثم بعد أعوام تسألها: «بُنيَّتي، ألا تتذكرين دون ميجيل؟» وحين أبادلك نظرةً حائرة تجيب قائلًا: كيف لا تذكُرينه؟ لقد قدّمتُه لكِ يوم خرجنا لندفع بعض الفواتير، وعمركِ آنذاك ثماني سنين. ثم تواصل حديثكَ عَنْ موته المُبكر، وتقول: «مسكين، فليرقد بسلام». لم أعد أحاول أوضح لك أنني كنتُ صغيرةً جدًا في تلك اللقاءات، وأن كل ما يشغلني هو كأس كولا رومان مُثلَّج مخلوط بالحليب المُكثف المُحلَّى، الذي تعدني به عند نهاية جولتنا. بقي راسخًا في ذاكرتي قميصك الأبيض، أو قميصك الجوايابيرا بجيوبه المنقوشة، ويدك التي لا تفارق يدي. عاودتك القصة بين الحين والآخر، لا يتبدَّل منه سوى اسم من رحل، وتضيف بأسًى: “الجميع يرحل. وسأبقى وحدي”. أبي، رافقتكَ، ولم يعد للأمر معنى أن أشرح لك أنني لا أستطيع أن أتذكَّر ذكرياتك، ولا أن أكرر؛ لا يا أبي، كنتُ صغيرةً جدًا، أكتفي بالنظر إليك وأجيبك: نعم، يا أبي، إنه لأمر مؤسف، مسكين ذاك الشاب، ما زال في مقتبل العمر، في الخامسة والثمانين فحسب، بالكاد استهل الحياة.

ومع ذلك، رحلتَ دون أن تودعني. ولهذا أكتب إليك الآن. أحس بالحاجة المُلحة لأن أصرخ في وجهك “ما فعلته لم يكن عدلًا، لم يكن من حقك أن ترحل هكذا!” عندما عدنا إلى المنزل بعد تعميد حفيدك الأصغر، أعلن الهاتف عن مكالمة فائتة من قرطاجنة. اتفقنا أن أتصل بك أنا فقط، توفيرًا للتكاليف الباهظة. رفعت الهاتف مرارًا حتى تجرأت على الضغط. جاء الصوت واضحًا، وصارمًا “لقد مات النمر”. هكذا يدعونك. الاسم يثير بعض الرهبة في أصدقائي، وحتى في بعض من أحببتهم. لم تشرح لهم أن اللقب جاء من حادث فقدت فيه أسنانكَ، وبقيت أنيابك وحدها، بل تركتهم يظنون أن الأمر نابع من طباعك الحادة، وبهذا تُبعِد عنك أي شاب يتجرأ على الاقتراب.

اجتمع الكل حول نعشك؛ أمِّي، وحفيداتك، وأصدقاؤك، وأصدقاؤنا، وأبناؤك. إخوتي الذين لم أعرفهم، لكنهم حضروا هناك، يودعونك هم وليس أنا. رغم أنك تُناقشني وحدي في السياسة، وتعلمني ألا يحق لأحد مناقشتها إلا لمن سيصوت. ورغم أنني أنا من تجلس معه لمشاهدة مباريات كرة القدم؛ تُشجع “سانتا في”، وأُشجع أنا “ناسيونال” فقط لأجل مشاكستك. حتى انتهى بي الأمر محبةً للفريق حقًا، وعلَّقتُ صوره في كل ركن من غرفتي بكل صور لاعبيه.

أبي؛ أكتب إليك اليوم، وأنا أدرك أنكَ لنْ تقرأ هذه السطور أبدًا، لأن أسئلتي كثيرة، وبلا أجوبة. كيف تمَّ رحيلك من بوجوتا؟ لم اخترت الاستقرار في لهيب قرطاجنة؟ أظن أن أمِّي كان لها دور في هذا القرار. لم يكف الجيران عن مناداتك “الكاشاكو”، فيما أصدقاؤك من العاصمة أطلقوا عليك “الكاريـــبي”.

حتى لهجتك تغيَّرت وصرت جافًا في حديثكَ. ذات مرة أخبرتني أنك تعرفت شخصيًا على جايتان، وأريتني صورة لك تظهر فيها مع مجموعة من الناس حوله. كنتُ حينها صغيرة، ولم أعرف كيف أطرح الأسئلة الضرورية والذكية. أُفكر فقط في الحفلة المُقبلة في نهاية الأسبوع، وفي كيفية اقناع أمِّي بتقصير الفستان الجديد كي يليق بساقيَّ اللتين بدأتُ أكتشف قوتهما. أريتني ندبة في رأسكَ، وقلتَ لي إن رصاصة خدشت رأسك يوم اغتيال جايتان. أُصغي إليك، لكن قلبي منشغل بأمور المراهقة العابرة. لا، لم أطرح عليك ما يكفي من الأسئلة. لكن ما عسانا نفعل؟ لقد جئت إلى حياتك وأنت في الثانية والخمسين من عمرك. ويقول أصدقاؤك إنكَ أنجبت حفيدة لا ابنة. ومع ذلك، قررت أن ترحل دون أن تودعني. هل تدرك أنني بقيت ألومك على ذلك طويلًا؟ قالت لي أمِّي إنك جلست على كرسيك الهزاز، كعادتك، لمشاهدة نشرة الأخبار، ثم نمت. كما في كل ليلة، لكنك لم تعد إلى السرير. قالت إنهم حاولوا الاتصال بي مرارًا، لكنني لم أكن هناك. ألا تذكر؟ قلتُ لك عبر الهاتف إن نهاية الأسبوع سيكون تعميد حفيدك في مدينة والده. رحلة قصيرة، قلت لك لا تقلق. وأخبرتك أنني سأعود يوم الإثنين، وسنكمل حديثنا.

لكنك قررت أن ترحل يوم السبت. بلا سابق إنذار. بلا تمهيد. همست لقلبك أن يكفَّ عن النبض، وأن الحياة قد بلغت مداها، ولا حاجة لوداع جديد. إذ اكتفى الوداع بذاك اليوم في مطار قرطاجنة، منذ عامين، حين قررتُ أن أعيش في أرضٍ بعيدة. وقفتَ هناك، خلف الباب الزجاجي الكبير، تلوح بيدك، نفس اليد، وأنت ترتدي قميصك الجوايابيرا الأبيض، وسروالك الرمادي، وحقيبتك الجلدية، وشعرك الأبيض. حضرتَ بكامل إنسانيتك، وأنا أبتعد، وألتفت كل مرة لأجدك كما عهدتك؛ ثابتًا، صامتًا، ويدك لا تزال مرفوعة.

قلبي ينزف دمًا على فراقك يا أبي

ماريا إجناثيا

ماريا إجناثيا شولتس (قرطاجنة الهندية، 1975) تخرجت في برنامج اللغويات والأدب من جامعة قرطاجنة، وتخصصت في مجال التربية الجامعية من الجامعة الحرة بقرطاجنة. هي المؤسسة والمحررة المشاركة، والكاتبة في مجلة “ألْبا؛ قراءة أمريكا اللاتينية” الأدبية، التي تصدر من برلين. تعمل مترجمة من اللغة الألمانية إلى الإسبانية. تقيم حاليًا في مدينة بامبرغ، ألمانيا.”1

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form