كتبت/ فاطمة مهدي
عن غواية الدفء الأولى: كيف يختبر الإنسان حرارة الماء قبل الاستحمام
أعجب ما في الإنسان أنه كائنٌ يكرر الأشياء ذاتها كل يوم، ثم يظن أنه لا يحمل في طقوسه الصغيرة شيئًا يستحق التأمّل، بالرغم من كونها طقوس صغيرة يكاد لا يتلفت إليها أحد، لكنها تقول عن الإنسان أكثر ممّا تقوله قراراته الكبرى.
أحيانًا يكاد يجهلنا الغير في الأشياء التي نحبّها، حتّى أقرب الأشخاص لن يصل إلى تلك الحركات الخافتة التي نفعلها وكأنها جزء من برنامج داخلي يعمل تلقائيًا منذ سنوات طويلة، تلك الأشياء التي قد يصل إليها الغير لكن لن يصل إلى فهمها،
من الطريقة التي نرتب بها وسائدنا قبل النوم، من ارتباكنا أمام رسالة لم يُجيب عليها أحد، حتّى من الطريقة التي نختبر بها حرارة الماء قبل الاستحمام.
قد يبدو الأمر بسيطًا إلى حدّ السذاجة. مجرّد يد تمتد نحو الصنبور، أصابع تلامس الماء بحذر، يمد أصابعه أولًا، كأنها سفراؤه إلى المجهول، ثم تعديل بسيط في المقبض. قد يبدو هذا مشهدًا عاديًا إلى حد لا يستحق الكتابة عنه، لكنه في الحقيقة يشبه الإنسان أكثر مما نظن، لو تأمّلت المشهد قليلًا، ستكتشف أن الإنسان في تلك اللحظة يكشف خباياه دون أن يدري، فكرة أن الإنسان لا يسلّم جسده للماء قبل اختباره، هي تقريبًا الفكرة ذاتها التي يدير بها حياته كلها
أفكّر أحيانًا أن الإنسان يقضي عمره كله وهو يختبر حرارة الأشياء قبل أن يغرق فيها، يختبر حرارة الحب قبل الاعتراف، حرارة الصداقة قبل البوح بأسراره، حرارة المدن الموحشة قبل أن يسمّيها وطنًا.
نحن لا نخاف الأشياء كما نظن، نحن نخاف المفاجأة الكامنة فيها، بمعنى أن المشكلة ليست في التجربة، بل في سوء التقدير، نخاف أن نظن الماء دافئًا، ثم نجد أنفسنا تحت تيار حارق لا مهرب منه. أو أن ننتظر دفئًا يخفف عن أجسادنا تعب النهار، فلا نحصل إلّا على برودة تترك الروح تتقوقع حول نفسها ككائنٍ خائف، لهذا تبدو لي لحظة اختبار الماء لحظة إنسانيّة جدًا من المرء إلى ذاته. لحظة نزيهة، لا أحد يتظاهر بالقوّة أمام الماء. حتى أكثر الناس صلابة، يمد يده بحذر، كأن داخله طفل صغير لم يتعلّم بعد كيف يثق بالعالم دون شروط.
في البيوت القديمة، كان للماء حكاية مختلفة. لم يكن يكفي أن تفتح صنبورًا وتنتظر اعتدال الحرارة. كان الأمر أكثر تعقيدًا، أكثر بطئًا، وأكثر شبهًا بالحياة. تُملأ الأوعية، يُسخّن الماء، يُخلط البارد بالحار، وتدخل الأم يدها أولًا لتقرّر إن كان مناسبًا لطفلها، كم يبدو هذا المشهد حنونًا، أم تختبر حرارة الماء قبل أن تسمح لطفلها بالاقتراب. كأن الحب في تعريفه الأكثر نقاءً هو أن تجرّب الألم بدلًا عمّن تحب. أن تدفع يدك أولًا نحو الاحتمال، لتضمن أن الطريق آمن لشخص آخر.
ربما لهذا نشعر بالأمان قرب بعض الناس، لأنهم يفعلون ذلك معنا دون إعلان. يختبرون قسوة العالم قبل أن يدفعونا إليه. يختبرون حرارة الأيام عنّا قبل أن نمضي فيها، لكنّ الحياة لا تمنحنا دائمًا هذا الامتياز. في مرحلةٍ ما، لا بد أن نقف وحدنا أمام الأشياء، أن نمدّ أيدينا بأنفسنا، وأن نتحمّل ارتباك التجربة الأولى، وخطأ التقدير، وذلك الشعور الخافت حين نكتشف أن ما ظننّاه دفئًا كان قادرًا على أن يؤذينا.
كم مرة أخطأنا في تقدير حرارة الأشياء؟
لكننا رغم ذلك لا نتوقّف عن المحاولة، وهذا أكثر ما يدهشني في الإنسان ويربكني فيه، أنه وبالرغم من ذاكرته الممتلئة بالألم، يعود في كل مرة كأن جزءًا منه ما زال يؤمن بأن التجربة القادمة قد تكون ألطف. كأن داخله شيئًا صغيرًا، وعنيدًا، يرفض أن يتعلّم الخوف كاملًا، يحترق مرة، فيصبح أكثر حذرًا، يتجمّد مرة، فيطلب دفئًا أكبر.
لكنه نادرًا ما يقرر الاستغناء عن الماء تمامًا، الحاجة إلى التجربة أقوى من الانسحاب.
في الصباحات الباردة تحديدًا، تصبح هذه الطقوس أكثر شاعريّة. يدخل الإنسان للاستحمام محملًا بفتور العالم، بنوم ناقص، برسائل مؤجّلة، وبالكثير من الأسئلة التي منها حملنا إجابة على مقاس السؤال فقط، خالية من العاطفة التي تغرقك وتفيضُ عليك بالأحاديث المطوّلة، ثم يبدأ في ضبط الماء، كما لو أنه يحاول، بطريقةٍ ما، ضبط حياته، أكثر قليلًا نحو الدفء أو أقل قليلًا نحو البرودة، لا هذا مناسب، ولا ذاك، ثم، بعد محاولات صغيرة، يصل إلى درجة محتملة. ليست مثالية، لكنها تكفي.
وأظن أن النضج يشبه ذلك تمامًا، أن تتوقّف عن البحث عن المثالية المطلقة، وتبدأ بالبحث عمّا يمكنك احتماله براحة معقولة. علاقة ليست مثالية، لكنّها آمنة، عمل ليس حلم العمر، لكنّه لا يسرق عمرك، بيت صغير، لكنّه آمن ويشبهك، دائرة ضيقة، لكنّها تَتّسع بمن فيها.
نحن لا نبحث دائمًا عن الشيء نفسه، حتى لو أقنعنا أنفسنا بذلك، احتياجاتنا تتبدّل، وهذا يفسّر كثيرًا من تحولاتنا التي تبدو للآخرين متناقضة، أحيانًا نحتاج حرارة عالية لنغسل عنّا تعبًا متراكمًا. وأحيانًا نحتاج برودة توقظنا من خدر طويل،
لسنا متناقضين كما نظن، نحن فقط نتغيّر، والجسد يعرف ذلك أكثر منا، لذلك لا يتوقّف عن اختبار الماء ولا يعتمد على ذاكرة الأمس، كل مرة كأنها الأولى، كل مرة تبدأ من الصفر، وفي هذا حكمة عميقة جدًا، ألّا تفترض أن ما ناسبك سابقًا، سيناسبك الآن، يجب أن تمنح نفسك حق إعادة التقييم، الاعتياد شيء مخادع، قد يقف الإنسان سنوات تحت ماء لا يناسبه.
لحظة الاختبار الأولى، لحظة غير عاديّة، مدروسة، يمتلك المرء فيها مخاوفه وحذره وحضوره بالكامل، فيها سؤال صغير لكنّه حاسم كيف يبدو الأمر الآن؟
وأعتقد أن أجمل ما في الإنسان ليس شجاعته في خوض الحياة، بل حساسيته التي تسبق ذلك، هذا التردد الجميل وهذا الحذر الذي لا يعني الجبن، لا أحد يولد مترددًا بالكامل، لكن الحياة تدرّب الإنسان على الاختبار، تعلّمه أن بعض الأشياء لا تُؤخذ بحسن نية، تعلمه أن أطراف الأصابع وجدت لهذا السبب تحديدًا، لتلامس أولًا بدلًا من أن يتعرّض الجسد كله للصدمة، وفي نهاية الأمر، يدخل الإنسان تحت الماء مهما طال اختباره. لا يمكنه البقاء خارج التجربة إلى الأبد. سيأتي وقت عليه أن يحسم، أن يختار درجة ما، ويقبل بما تأتي به، وهنا تكمن المفارقة، الاختبار لا يمنح يقينًا كاملًا، فقط يمنحنا قدرًا صغيرًا من الاطمئنان الذي يمنحنا فرصة الخوض في القادم، وربما هذا كل ما نحتاجه فعلًا، ليس اليقين المطلق، فقط قدر بسيط من الطمأنينة التي تسمح لنا بالدخول.
ربما هكذا تُعاش الحياة كلها.
لا مثل قفزة متهورة تحت ماء مجهول، ولا كانتظار أبدي، بل كسلسلة من الاختبارات الصغيرة، والتعديلات المستمرة،
ثم، حين تجد الإجابة، تدخل أخيرًا تحت الماء.
وأحسب أن أكثر الناس تعبًا هم أولئك الذين يقفون طويلًا تحت درجات حرارة لا تناسبهم، علاقات لا تشبههم وأماكن تضيق بأنفاسهم وأحلام ورثوها من غيرهم، فلبسوها كما تُلبس الثياب المستعارة لا هي على مقاسهم، ولا هم قادرون على خلعها، ثم يظنون أن الخلل فيهم، مع أن المشكلة، في كثير من الأحيان، أبسط من كل هذا التعقيد.
المشكلة أنهم لم يعدّلوا المقبض.
هذه واحدة من أجمل الحكم التي يمكن للماء أن يعلّمنا إيّاها، حين لا تناسبك الحرارة، لا تدخل في معركة فلسفيّة مع الألم، لا تُقنع نفسك بأن الاحتراق بطولة، أو أن الارتجاف فضيلة.
أنت ببساطة بحاجة إلى تغيير الدرجة، أكثر دفئًا أو أقل قسوة، أو أكثر احتمالًا.



