قصة لعبة الاحتمالات نُشرت ضمن متوالية “متحف اليد.. دفتر الصوت” في كتاب “فلنذهب معا إلى النهر” الصادر عن غرفة الكتابة بالتعاون مع دار هنّ للنشر في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026.

جلست سميرة على حافة سريرها وأصابع يدها تعتصر اللحاف بعصبيّة خفيّة، تترقّب بقلق مرسال أبيها الذي سيصل إليها في أيّ لحظة لتخرج وتقابل أحمد؛ الخطيب المحتمَل، والذي يجلس بين والديْه في الصالون. كان البيت مشبعًا بروائح القهوة والكلمات، وفي السقف مراوح تدور بسرعةٍ متوسّطة. رفع أحمد نظره إلى السقف، فوجد المروحة تخرج لسانها لتكمل الأحاديث الناقصة. ناداها والدها، فدخلت سميرة بخطوات محسوبة، تحمل بين يديها القهوة وعلى كتفيها ثقل القرار.
رآها أحمد لأوّل مرّة فأحبّها، أمّا هي فصوّبت نظراتها للأرض هربًا من الأعين المتفحّصة. كان أحمد شابًّا وسيمًا، فارع الطول، وفي صمته وقار أضفى عليه مسحة إضافيّة من الجاذبيّة. طلب والدها رأيها، فقالت بعد صمت ثقيل: “موافقة”، فتزوّجا بعد ثلاثة أشهر.
ومن هنا، سنمضي معًا في تتبّع ما سيأتي. لأنّ الحياة ليست سوى احتمالات تتوالد.
السيناريو الأوّل – “شهوة”
تجلس سميرة أمام المرآة في بيت زوجها. تمشط شعرها بتروٍّ وتتأمّل قسمات وجهها، تستقرّ عيناها على فمها، متى تحرّكه وتملأ البيت بالكلام؟ تعتريها رعشات في جسدها من تلك الشهوة المستقرّة بين شفتيها. تجلس وحيدة طوال اليوم، وحين يعود أحمد -من البديهيّ- لا يعبأ بالكلام، تتكلّم بالإشارات التي تعلّمتها خصوصًا من أجله، تشتاق إلى التغنّج في صوتها، كما تشتاق للحوارات المؤجّلة في زوايا ملابسها، والتي حفظتها طوال مسيرة حياتها مع الأفلام الرومانسيّة، تريد عيش تلك المشاعر المسموعة مع رجُلِها لكنّها لا تستطيع. أدركت بعد مرور أشهر من الصمت الطويل والصيام عن الضجيج أنّ الحياة رتيبة ومملّة، وما يمنعها من أخذ زمام المبادرة هو طيبة أحمد اللامتناهية وحبُّه. حاولت جاهدة أن تتغلّب على هاجس الكلمات المكدّسة، فاشترت ميكروفونًا وأصبحت تغنّي بصوت عالٍ، ترفع صوت الموسيقى عمدًا في حضور زوجها أو غيابه في العمل، حوّلت منزلها إلى ضجيج لا يهدأ، إلى أن قدّم الجيران شكوى عليها بسبب الإزعاج ليل نهار، وعندما دقّ الشرطيّ على الباب لم يسمع أحمد، فهو لم يحتج يومًا للضغط على جرس باب بيته، بل يكتفي بدسّ المفتاح في قفل الباب ليدخل. بعد تبرّم واضح، فتحت سميرة وتلقّت الشكوى من الشرطيّ، واستغلّت الفرصة لتطلق العنان لشهوة لسانها وتتحدّث بكلام غير مترابط ولا مفهوم، وتضحك بعصبيّة دون سبب للضحك. “لحظة”، تفكّر سميرة، “هل هناك من يسمع ضجيجها أخيرًا؟” يتعجّب الشرطيّ الذي يقف في محاذاتها، يتعجّب زوجها الذي يراقبها من بعيد. تعهّدت للشرطيّ بعدم تكرار الإزعاج، استدار الشرطيّ وذهب، وخرجت هي على إثره وشدّت الباب بعنف لتطلق نفسها في الشارع وللضجيج، هاربة من الصمت. لتقرّر سميرة الكلام، وتنفصل عن أحمد.
السيناريو الثاني – “مجهول”
عاشت سميرة مع أحمد في عالم تجهله تمامًا، فقرّرت بحنكتها أن تتسلّل إليه بهدوء، حتى وجدت نفسها داخله. تحاول أن تفهمه كما تفهم بيتًا جديدًا أو شارعًا خاليًا من الإرشادات لم تعتد السير فيه من قبل. قرّرت التغلّب على الصعاب التي اعترضت علاقتهما، وأهمّها إيجاد لغة مشتركة للتواصل؛ فاتّجهت إلى دورات تعلّم لغة الإشارة.
مع الوقت، بدأت تشعر سميرة براحة غريبة، كأنّ أسلوب حياتها الجديد -بكلّ ما يحمله من تحدّيات وصمت ومواجهة يوميّة مع المختلف- ينسجم تمامًا مع شيء قديم يسكنها؛ شيء يشبه التمرّد الذي ورثته عن جدّتها لأبيها. ذلك التمرّد الذي لم يظهر يومًا في صورة صراخ، بل في قدرة هادئة على كسر المألوف والمضيّ في الطريق الأصعب.
في أواخر ديسمبر وُلدت ابنتهما. فتاة جميلة، جاءت مع معجزة نزول أوّل ندف من الثلج في ذلك البلد الحارّ، فضحكت لأنّ الطقس تواطأ مع فرحتها واحتفى بهما. ازداد فرح سميرة حين استجابت الطفلة لمناغاة الممرّضة. فقرّرت مع أحمد الاكتفاء بطفل واحد، ومضت حياتهما في سعادة هادئة داخل عالم يجيدان رسم تفاصيله.
السيناريو الثالث “أسيرة”
«أرجوك اصفح عنّي، لا تتّهمني بالخسّة. هربتُ من البيت، هربتُ منك، من ولدِنا، فأنا أسيرة».
أراه كلّ يوم. يفتح دُرج التسريحة، يخرج قصاصة الورقة المهترئة، ويقرؤها بعينين أَلِفَتا الغياب. لا أسمع شيئًا، لكنّني أعرف اللحظة من بطء يديه، من رجفة عابرة حين يعيدها إلى الدُرج. وعندما يُغلقه، يسري الوهْن في أصابعه؛ وهْنٌ أعرفه جيّدًا، لأنّه هو ذاته الذي يُعجزه عن الوصول إليّ.
كلمات أمّي -التي غابت منذ سنين- غلّفتُها ببلاستيك حراريّ، لتبقى فزّاعة جاهزة كلّما فكّر في تجاوز الحدود. يقولون إنّني ورثت وسامته وإعاقته معًا؛ وأنا أعرف أنّني ورثت أيضًا هذا الصمت الثقيل بيننا، صرت أقرأ أبي ولا أقوى على لمسه، وأرى الورقة وقد استحالت سجنًا أو واقعًا لا مهرب منهما.
يكبر “ابن سميرة الأصمّ” ويذهب إلى عمله الذي وجده بشقّ الأنفس، يبتلع الطريق السريع بسيّارته ليصل مبّكرًا بنصف ساعة؛ فهو مطالَب بإثبات جدارة مضاعفة. يطارده سائق آخر، ينتبه إليه حين يرى سيّارة تسير بنفس سرعته والسائق يلوّح له بإلحاح من نافذة السيّارة. يركن سيّارته على جانب الطريق، يفتح النافذة، وينزل السائق مسرعًا. صوت الكاسيت مرتفع في سيّارة ابن أحمد، فيسمع من الرجل الغريب موعظة عن الإهمال، وعن غرور السائقين، وعن وسامته التي جعلته متهوّرًا، وعن اهتمامه بتأنّقه اللافت حتّى غفل عن إطار سيّارته المثقوب. لا يفهم الشابّ شيئًا، ولا يردّ، لكنّه يكتفي بفتح محفظته ليُخرج الورقة التي تركتها أمّه، تلك التي أخذها خلسة ليُريح أباه منها، ويضعها أمام الرجل الغريب. لا يفهم الرجل، فيشير الشابّ إلى أذنه وفمه بإصبعين فقط؛ السبّابة والوسطى مع ضمّ بقيّة أصابعه، ليفهم أخيرًا أنّ الشابّ الوسيم أصمّ. يرتبك السائق، ولا يجد طريقة للاعتذار، فيحاول تغيير الإطار، ليدفعه الشابّ برفق رافضًا المساعدة. رفض ابن سميرة مشاهدة أفلام السينما والمسلسلات، ورفض ارتداء الملابس ذات الجيوب كي لا تتكدّس الكلمات المهرّبة فيها، واكتفى بمجالسة أفلام تشارلي تشابلن، مقتنعًا بالتجربة أنّ الصمت لا يتقاطع مع الضجيج.
السيناريو الرابع “ما حدث”
“غير موافقة”
ناداها أبوها وسألها عن رأيها في الزواج، فقالت سميرة بشكل قاطع: “لا، غير موافقة”، كما لو كان الرفض أمرًا مفروغًا منه، أو مجرّد ملاحظة عابرة بين فنجانَيْ قهوة. عندها رفع أحمد عينيه للسقف ليغالب ضعفه وإحراجه، مثبّتًا نظره على المروحة التي تدور بلا فائدة، وفي رأسه، جرّ بقلمٍ أحمر خطًّا كبيرًا ليُثبت حضوره في «سجلّ الخيبات المتتالية».







One Response
https://shorturl.fm/Tu0cE