كتب/ محمد بن صوفان الأحبابي
مِنّي.. إلى رائد الأعمال الواعد: الاسم أول اختبار للهوية
لماذا يختار رائد أعمال اسمًا أجنبيًا لمشروع محلي يستهدف المستهلك المحلي؟ قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يفتح بابًا أوسع على علاقتنا باللغة والهوية والسوق، وعلى الطريقة التي ننظر بها إلى ما نملكه وما نظن أننا بحاجة إلى استعارته.
أنت فقط شديد الحساسية تجاه هويتنا وكل ما يرتبط بها.. واقعًا، أعتقد أنهم محقون. وتبلغ هذه الحساسية المفرطة ذروتها عندما أشعر بتعدٍّ سافر على مكونات الهوية، وما تلبث أن تتضاعف حدتها حين يكون المعتدي هو من يفترض أن يكون أول رافعي لواء الدفاع عنها. ولحظتها أستدرك: لعلّه كان في سياق آخر ضحية قبل أن يصبح معتديًا؛ وما هو سوى نتاج واقع فرض عليه التنازل، فاستسلم له دون أن يدري.
اسم المشروع أكثر من مجرد اسم
في طريقي الأسبوعي المعتاد، لا جديد يُذكر سوى التزامي بقرارٍ صغيرٍ في ظاهره، كبيرٍ في أثره: ساعةٌ أولى بلا مدخلات خارجية؛ لا هاتف، ولا موسيقى، ولا أخبار.
ساعةٌ تعيد تشكيل العالم من حولي كما لو أنني أراه للمرة الأولى. أرصفة الطريق، وأشجاره، وتعرجاته، ومحلاته..
اللعنة! نعم، محلاته.
كانت هي نفسها من أعادتني إلى الواقع من جديد، لأدرك مرارة الخيبة، وربما مقدار الفشل، ومدى تقاعسنا عن إتمام ما كان المفروض أن يتم منذ زمن.
كان Unorthodox Roasters أول اسم اقترحه لمشروع مقهاه الجديد؛ مشروع يفترض أن يستقبلني أسبوعيًا في الطريق ذاته خلال فترة لا تزيد عن ستة أشهر من الآن، وفقًا لدراسة الجدوى التي أعدّها.
وما إن نطق الاسم متحمسًا لردّة فعلي، حتى بدأ نقاشٌ امتد إلى كل جانب من جوانب الحياة.. باستثناء مشروعه.
نقاشٌ أشعل سؤالًا واحدًا من خمسة أحرف:
ل م ا ذ ا؟
ما الذي قد يدفعه، هو وغيره من الشباب، إلى اختيار أسماء أجنبية لمشاريع محلية تستهدف بالدرجة الأولى المستهلكين المحليين؟
هل نختار أسماءنا لأننا نريدها أم لأن السوق يريدها؟
في الحقيقة، ومن عين اقتصادية بحتة، كان اقتراحه ذكيًا من منظور السوق؛ فهو يعكس فهمًا لسلوك المستهلك وبروز سمة “سلوك القطيع” (Herd Behavior)؛ أي الميل إلى محاكاة اختيارات الآخرين حين تبدو تلك الاختيارات أكثر رواجًا أو أمانًا.
ولأنه – في ظني – رائد أعمال واعد، قرر الاستثمار في معطيات السوق الحالية.
غير أن اختياره للاسم يكرّس توجهًا عامًا لم يتوقف عن دقّ ناقوس الخطر منذ سنوات.
ولا أزعم أن كل اسم أجنبي لمشروع محلي يعني بالضرورة رفضًا للغة أو تنكرًا للهوية؛ فاختيارات العلامات التجارية تخضع لاعتبارات كثيرة، من طبيعة النشاط والجمهور المستهدف إلى سهولة النطق والتذكر والتموضع في السوق.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: متى يتحول اختيار الاسم من قرار تسويقي إلى انعكاس لنظرتنا إلى أنفسنا؟ هنا تحديدًا تبدأ المسألة في تجاوز حدود اللافتة المعلقة فوق باب مقهى
ما نملكه أولا
تنطوي هذه الظاهرة، في تقديري، على جوانب ثقافية واجتماعية واقتصادية ونفسية؛ وكل جانب منها يكشف سؤالًا أعمق عن علاقتنا بهويتنا ولغتنا.
ثمة شريحة من الجيل الحالي يبدو أنها تحمل قدرًا من الشك في قدرة أدواتها الثقافية على مواكبة أحلامها وتحقيقها. تشعر أحيانًا أن ما ورثته من لغة وهوية وثقافة صار قيدًا يضيق عليها، بدل أن يكون مساحةً تنطلق منها.
وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح استعارة ما لدى الآخر أسهل من إعادة اكتشاف قيمة ما لديه.
ومع ذلك، يبقى التماس العذر مختلفًا جذريًا عن التبرير.
فجزء من تفاقم الظاهرة يقع على من فضّلوا مجاراة التوجه العام دون تكبّد عناء مقاومته. أما الجزء الآخر، فيقع على جماعة وصفها لي مرة دكتور جامعي بريطاني ذو أصول عربية بقوله:
يعيشون مأساة هوية ساحقة، جاعلين من أنفسهم دون وعي منهم محلّ تندر للآخرين.
اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل
قالها في سياق حديث بدأ بسؤالي عن سبب حرصه على الحديث بالعربية، وهو الذي وُلد في الغرب، وتربّى فيه، وتعلّم في مدارسه، لكنه كان يتحدث بالعربية بطمأنينة من يعرف تمامًا أين يقف.
كان يتمسك بلغته كأنها آخر خيط يربطه بذاته، لا يفرّط فيه مهما تغيرت الجغرافيا.
كنت أرى في عينيه قشعريرة سرور كلما يُثنى على فصاحة لسانه؛ سرور رجلٍ يعرف ما يملك، ويعرف أن لغته ليست مجرد وسيلة تواصل، بل جزء من كرامته الإنسانية، وامتدادًا لوجوده.
ربما لهذا بقي حديثه عالقًا في ذاكرتي.
لم يكن يدافع عن العربية لأنها لغة آبائه فحسب، وإنما لأنه أدرك أن اللغة التي يتحدث بها تقول شيئًا عن الإنسان الذي أصبحه.
وهنا تكمن المفارقة.
نحن نبحث عن أسماء تمنح مشاريعنا الحداثة، وعن علامات تجارية تمنحها التميز، وعن هوية بصرية تجعلها قابلة للمنافسة، ثم ننسى أحيانًا أن اللغة نفسها جزء من هذه الهوية.
اسم المشروع.. أول إعلان عن صاحبه
تكسب الحضارات احترامها بمقدار تمسكها بهويتها، وتحجز مكانتها بين الأمم بقدر ما تبذله من جهد لحماية هذا الإرث.
لا يعني ذلك أن نغلق أبوابنا أمام اللغات الأخرى، أو أن نحول كل اسم تجاري إلى اختبار للولاء الثقافي، أو أن نرفض ما يأتي من الخارج لمجرد أنه يأتي من الخارج.
المسألة أبسط وأعمق في الوقت ذاته:
هل نعرف قيمة ما نملكه؟
إن قرارًا صغيرًا – كاسم مشروع، أو لغة حديث، أو كلمة تُقال في مجلس – قد يكون حجر الأساس في بناء أثر يفوق حدود ما نظنّه ممكنًا.
فالهوية لا تُحمى بالشعارات وحدها.
تُحمى حين تصبح حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية؛ في الاسم الذي نختاره، واللغة التي نتحدث بها، والمنتج الذي نصنعه، والقصة التي نرويها عن أنفسنا.
وقد يكون اسم المشروع مجرد اسم.
وقد يكون أيضًا أول إعلان عن علاقة صاحبه بهويته.
مِنّي.. إلى رائد الأعمال الواعد
إليك أيها رائد الأعمال الواعد: شكرًا لإعادة النظر، ولإدراكك أن مشروعك لا يحتاج إلى هوية مستعارة كي ينجح.
وهذا وحده دليل على أن الوعي ليس غائبًا تمامًا، بل يحتاج فقط إلى من يوقظه.
ومني.. إلى غيره من رواد الأعمال:
لا تجعل لغتك آخر ما تفكر فيه، ولا تجعل هويتك آخر ما تدافع عنه.
ضع اللبنة الأولى اليوم، وسجّل نفسك رائدًا في حماية احترام حضارتك أولًا.



