الغرفة الماطرة

🕓 وقت القراءة: 2 دقيقة

مشاركة المقالة:

الكاتب محمد فؤاد الرفاعي

أن تشهد عاصفةً من خلف زجاجٍ مُترب، يعني أنك تعيش الغربة بكل أشكالها

أن تشهد عاصفة رعدية من لوحٍ زجاجيٍّ مُتْرَب، يفصل كجدارٍ هشّ بين غرفتك المؤثثة بفراغها الثمين وأشيائك القليلة: سريرك الحديديّ، سلَّة غسيلك، منفضة سجائرك المحدَّبة كتلّةٍ صغيرة، وسجَّادة صلاةٍ خضراء – هي آخر ما لامسته يدُ أمِّكَ وهي تقفل سحَّابَ حقيبتك الضخمة بإحكامٍ حريص:

“لا تنس صلاتك يا محمد”!

وفي الجهة الأخرى، شرفةٌ ضيِّقة كقبرٍ مفتوحٍ على الخارج … ذلك الفضاء المنكمش، المضيء، المعتم، والمبلول؛ مثل طائرٍ تائه دخلَ غمامةً سوداء ولم يخرج، أو ربَّما فعلَ ولم أنتبه له.

لطالما أعجبتني تلك الأبنية النائمة على علوِّها المنخفض، المحاطة بسلسلة من الجبال الحجرية بمحاذاة الساحل الشرقي لإمارة الفجيرة المطلّ على خليج عُمان.

المهم، أن تشهد ذلك كله، يعني أنك تعريفٌ بسيطٌ لكلماتٍ كثيرة ومتشابهة:

الغربة، الوحشة، والوحدة… إلى آخر ما يمكن للنفس البشرية أن تبلغه من شفافيةٍ مجروحةٍ بريشةٍ قاتمة.

قرأت مرةً عبارةً تقول:

“إنَّ الإنسان حين يحزن، يبحث دون وعيٍ منه عن صورٍ أو مشاهدَ تتواطأ مع حالته”.

لكنني هذه الليلة، بوعيٍ يقظ وحواسٍ متضخِّمة، أدركت أن هذه العاصفة المفاجئة شريكتي في التجربة. إنَّها ليست مجرَّد خلفيَّة ساذجة لما أشعر به…

مَنْ منَّا يحملُ الآخر؟

أكاد أخطئ الحكم، وأنا أتجاهل الحدود الممكنة بين لغتي، وذلك الثقل الملامس لما لا يمكن قوله. أليس من أجل ذلك ثمَّة رعدٌ وبرقٌ ومطرٌ لا ينقطع؟

ربما كانت هذه العاصفة استعارةٌ كبرى عن وجودي. تلك الطبقات الحسيَّة والنفسيَّة التي تجاوزت أسواري البيولوجية العاجزة، الساخطة، الحزينة، وتحوَّلت إلى طقسٍ عام!

اللعنة… إنني أكتب هذه الكلمات الغريبة وكأنني أتحقَّق من صلابة شيءٍ ما في هذا العالم، رغم يقيني الأكيد من أنه يتسرَّب بنعومةٍ ساخنة من داخلي إلى الله…

مثل نهرٍ يتدفَّق من عينيَّ الباردتين كلَّما نظرتُ إلى سجَّادة أمي الممدودة في منتصف هذه الغرفة القذرة.

يا إلهي، كم أكره محاولاتي البائسة في الإمساك بشيءٍ يتفلَّتُ مني باستمرار:

حبيبتي،

عائلتي،

بيتي الذي لم يوجد بعد،

ونفسي!

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات اخرى للكاتب

اشترك الآن في النشرة البريدية

Subscription Form