
كتبت/ نورة الكمالي
خمس منازل لله وغرفة لجدتي | مراجعة وتحليل رواية مروان الغفوري
القراءة لم تكن يوماً نافذة نصف مضيئة، إنها نافذة نطلّ منها على العالم، يمكن القول إنها عدسة نعيد عبرها النظر في ما نظن أننا نعرفه. ما يبدو مألوفاً في الأخبار والواجهات الإعلامية، تكشفه الرواية من الداخل: تفاصيله الصغيرة، وصوته الإنساني الخافت.
في رواية «خمس منازل لله وغرفة لجدتي» للكاتب اليمني مروان الغفوري، ندخل إلى عالم يبدو قريبا جغرافيا، بعيدا ثقافيا. قرية يمنية تفصلها عن المدينة نصف ساعة، تفصلها في المعنى مسافات طويلة، خاصة حين يتعلق الأمر بمعرفة الله.
تدور الرواية حول طالب يغادر قريته البسيطة إلى المدينة لإكمال دراسته، وهناك يجد نفسه وسط تيارات دينية متعددة: الصوفية، السلفية، أهل الدعوة، الإخوان، وربما أطياف أخرى. كل جماعة تراه مشروع تابع، تدعوه إلى طريقها بوصفه الطريق الأصدق.
يستمع إليهم جميعا، يقول “نعم” للجميع، كأنما ترك “لا” خلفه في قريته. في المدينة تبدو المعرفة أوسع، والطريق إلى الله أكثر تنظيما ووضوحا. هذا الاتساع يتحول تدريجيا إلى تِيه، تتعدد الطرق وتتقاطع، ويبهت اليقين.
في لحظة صفاء متأخرة، يكتشف أن جدته، البعيدة عن كل هذه التصنيفات، أدركت ما عجزوا عن تبسيطه. لم تعرف الله عبر الجدل أو الانتماء، عرفت الله عبر علاقة فطرية، بسيطة، ومباشرة؛ علاقة لا تحتاج إلى وسطاء.
تكمن قوة الرواية في لغتها السلسة وقدرتها على طرح أسئلة عميقة دون تعقيد أو غموض. تنتمي إلى فترة التسعينات، حين بلغت التيارات الدينية ذروتها، وكل جماعة رأت نفسها “الفرقة الناجية”، في حين تكشف الرواية هشاشة هذا اليقين حين ينفصل عن الإنسان.
هذه رواية عن الرحلة الشخصية في البحث عن الله، عن المسافة بين المعرفة المتعلمة والمعرفة التي تولد في القلب.
في النهاية، لا يجد البطل إجابته في صخب المدينة، يجدها في غرفة صغيرة… كانت جدته تسكنها، وكأن الطريق كان هناك منذ البداية.



